في زمن الأخبار المتسارعة… الفتنة أخطر من الرصاص

بقلم تغاريد محمد الفواز
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون المعارك الأخطر دائمًا تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُدار بالعقول عبر الشائعات، ونصف الحقائق، والأخبار المتضاربة. ومع تسارع الأحداث في سوريا والمنطقة، تتكاثر الروايات، وتتشابك المصالح، ويصبح المواطن البسيط أول ضحايا الفوضى المعلوماتية.
اليوم، ومع تطورات حساسة تمس وحدة المجتمع وتوازناته القومية والمناطقية، يبرز خطر الفتنة بوصفه تهديدًا وجوديًا لا يقل خطورة عن أي مواجهة عسكرية. فالفتنة لا تحتاج إلى جيوش، بل إلى خبر كاذب، أو مقطع مجتزأ، أو خطاب تحريضي يُضخ في لحظة خوف وغضب.
الأخبار المتضاربة… وقود الانقسام
تشهد منصات التواصل الاجتماعي في الساعات الأخيرة سيلًا من الأخبار غير المؤكدة، تتحدث عن اشتباكات، اعتقالات، تهجير قسري، أو استهدافات على أساس قومي أو طائفي. بعض هذه الأخبار قد يكون مضخّمًا، وبعضها الآخر مفبرك بالكامل، لكن أثرها النفسي واحد: زرع الشك، وتأجيج الكراهية، ودفع الناس إلى الاصطفاف الأعمى.
الخطر هنا لا يكمن فقط في كذب الخبر، بل في سرعة انتشاره، وفي الاستعداد النفسي لتصديقه، خاصة في بيئة أنهكتها سنوات الحرب وفقدت ثقتها بكل شيء.
الفتنة مشروع قديم بأدوات جديدة.
لم تكن الفتنة يومًا وليدة الصدفة. تاريخ المنطقة يعلّمنا أنها غالبًا ما تُستثمر سياسيًا حين تعجز القوى المتصارعة عن الحسم المباشر. واليوم، تُدار الفتنة بأدوات أكثر تطورًا: حسابات وهمية، غرف صدى رقمية، خطاب عاطفي يستحضر المظلومية ويشيطن الآخر.
والأخطر أن هذا الخطاب لا يفرّق بين كردي وعربي، أو مسلم ومسيحي، أو منطقة وأخرى، بل يضرب نسيج المجتمع كله، ويفتح جروحًا يصعب التئامها حتى بعد توقف السلاح.
مسؤولية الدولة والنخب والإعلام
في هذا السياق، تقع مسؤولية مضاعفة على:
الدولة: في تقديم رواية رسمية واضحة، شفافة، وسريعة، تسد الفراغ الذي تملؤه الإشاعة.
النخب الفكرية والدينية والإعلامية: في تهدئة الخطاب، ونبذ التحريض، ورفض الانجرار خلف لغة التخوين.
الإعلام: في التحقق قبل النشر، والتمييز بين الخبر والرأي، وعدم التحول إلى أداة في صراع نفسي خطير.
أما المواطن، فمسؤوليته لا تقل أهمية، وأبسطها التوقف لحظة قبل إعادة نشر أي خبر، وسؤال النفس: هل يقرّب هذا الكلام السلام أم يشعل نارًا جديدة؟
كلمة أخيرة: الوطن أكبر من اللحظة
في زمن الاضطراب، يصبح الوعي فعل مقاومة، وضبط النفس موقفًا وطنيًا، ورفض الفتنة شجاعة حقيقية. قد نختلف سياسيًا، وقد نتباين في الرؤى، لكن الانزلاق إلى صراع أهلي أو قومي لن يكون نصرًا لأحد، بل خسارة للجميع.
الأحداث متسارعة، نعم، لكن الأوطان لا تُبنى بالعجلة، ولا تُحمى بالغضب، بل بالعقل، والحكمة، والإيمان بأن الفتنة إذا اشتعلت لا تميّز بين من أشعلها ومن احترق بها.




