مقالات

أنا والزَبَّال.. بقلم الأدب المصرى د. طارق رضوان جمعة

يقول عزيز سنجار العالم التركي الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء لعام ٢٠١٥ قالت لى زوجتى يومًا: “خد كيس الزبالة يا عزيز! وأنت خارج” فقلت لها: أنا حائز على جائزة نوبل!
فقالت: “خد كيس الزبالة يا عزيز الحائز على جائزة نوبل”.

كما يتفاعل الإنسان مع محيطه الإنساني ومع مفردات الطبيعة، يأخذ منها ويعطيها أثرا وتأثيرا، فإن الفنون والآداب تتفاعل هي الأخرى مع بعضها وتتبادل التأثير والتأثر في سياق يخلق تكاملًا جماليًا.

كالعادة أبحث دائمًا عن العلاقة بين الأدب وسائر أركان الحياة. فقديمًا كتبت عن الأدب والفنون القتالية، كما كتبت عن تسييس الأدب، وعن العلاقة بين الأدب والفلسفة وبين الأدب وعلم النفس…الخ. اليوم أتحدث عن التشابه بينى وبين الزَبَّال، أو لدقة التعبير هو عامل النظافة.

فأنا كثيرًا ما أصادف الحكمة على لسان طفل صغير أو قد يسوق الله لى الحكمة فى حركة طائر أو حيوان أو فى تصرفات شخص بسيط لم يدرس شيئًا عن الفلسفة والمنطق وعلم النفس وفنونهم. وكذلك الزَبَّال فى عمله يدقق ويفحص.

وأرى أن العلاقة بين الأديب والفيلسوف والزَبَّال علاقة قوية فنحن جميعًا نجلس على مأدبة واحدة نبحث عن الحقيقة. لكل واحد منا شهوته ومبتغاه: فهناك شهوة الفكر كما هناك حولنا العديد من الشهوات المالية والجسدية والنفسية. أنا أبحث وأتدبر لأجد فكر راقى أكتب عنه، والزَبَّال يبحث وسط قمامة الناس عما يراه ثمين ويجلب له المال الوفير. أنا أرى بعينى ما قد يعجز الغير عن رؤية قيمته.

والزَبَّال يرى بعينه ويُقدر قيمة أشياء تنازلت الناس عنها وألقت بها فى أكوام القمامة. لست فيلسوفًا ولكنى فقط أحب التأمل فيما ومن حولى، وهكذا حال الزَبَّال لاهث خلف هدفه دون كلل أو ملل.

كل منا يجد وسيلة لتفريغ الشحنات السالبة في عالمه اليومي، وهذا الجمال نسبة ويختلف من فرد لأخر، يجده كل فرد طبقًا لظروف حياته وثقافته.

دور الأدب والفلسفة والزبال دور مشترك فالجميع يتعاونوا فى إطفاء لهيب الحياة ومنحنا الإستقرار والهدوء النفسي، فنرتشف كئوس العلم والتذوق والجمال والمحبة بصفاء ذهني وقلبي وروحي. كل هؤلاء يشتركوا فى تهذيب الذوق.

كلمة “أدب” تعنى رياضة النفس بالتعليم والتهذيب. لذلك نجد متذوقي الفنون والآداب أكثر تحضرا وتوازنًا نفسيًا وسلوكيًا ويميلون كما تؤكد الدراسات العلمية الى الإلتزام بالقانون ورفض العنف. فالأدب يوقظ ضمائرنا لنعرف عيبوبنا فنبادر إلى إصلاحها، مما يقود المجتمع للتطور والنهضة. وقد كان حافزًا للشعوب على مقاومة المستعمر وحشد همة الشعوب نحو القضايا الوطنية.

لكن أحيانًا هذا ما أشعر به من زُبالة في طريقة حوار بعض الشخصيات التي تنطق بالفلسفة والحكمة واتفاقية جنيف بشأن أسرى الحرب، وعظمة انتماء الفلاحين ونصوع فكرة المقاومة، وجرأة الحب في زمن الإحتلال. ويبقى السؤال: ماذا يخفي كل هذا الطلاء؟ من يكون العدو؟وهل يتشابه العدو القديم مع العدو الجديد؟ومن يكون المقاوم؟وما هي دوافعه؟وكيف اختلفت معايير المقاومة لنمدح المجاهد الإسلامي في زمن نابليون، ونلعنه في الزمن الأمريكي؟!!

وأيضًا للفن خطورة على الواقع وعلى التاريخ، فمعظم هذا الهراء وهذه الأكاذيب التي تفرضها الدراما ستحتل مع الزمن مكانة التاريخ وترسم شكل الغد الذي يهيمن على حياة المتواطئين ضد الواقع. والحقائق، فمتى يأتي الوقت الذي يظهر فيه الزَبَّال على حقيقته، ليحدثنا عن حياته الواقعية بدون طلاء فلكلوري أو حكمة مستعارة؟
وللزُبالة بكل أنواعها ثقافتها الخاصة أيضًا وهى تتسرب لأخلاقنا ومعاملاتنا وتذوقنا للجمال. الروح تزداد غلظة فلم يعد يؤثر فينا ويلمس روحنا إلا أغاني المهرجانات الصاخبة، ولم يعد يُضحكنا سوى دعابات غليظة.

هل تعرف أن هرقل قام باثنتي عشرة مهمة شديدة الصعوبة ، لكن من أصعب المهام التي كُلِف بها تنظيف حظائر الملك أوجياس. كانت تلك الحظائر تضم أكبر عدد من الماشية في التاريخ، ولم يتم تنظيفها لمدة ٣٠ سنة. هكذا تحولت إلى مستعمرة ذباب كما صارت رائحة المكان لا تُطاق، وانتشر الطاعون والتيفود في البلاد. تم تكليف هرقل بهذه المهمة من ناحية لأنها مهمة مهينة، ومن ناحية لأنها مستحيلة فعلاً.

قام هرقل أولاً بإخلاء البهائم من الحظائر، ثم قام بتحويل مجرى النهر فاندفع الماء لينظف الحظائر. وهي معجزة جديرة أن تنضم إلى معجزاته الاثنتي عشرة، لكنها أقلها كبرياء وأكثرها نفعًا للناس. أغضب هذا الملك لأنه وعد من ينظف الحظائر في يوم واحد بعُشر الماشية. رفض الدفع فقتله هرقل ووضع أبنه على العرش.

لم تفت سخرية الموقف على عين الكاتب السويسري الكبير فردريك دورنمات، فتناولها في مسرحية جميلة هي (هرقل وزرائب أوجياس)، وهي التي ترجمت في مصر باسم (البطل في الحظيرة). وسرعان ما نكتشف ان الروث هو مرأة تعكس فساد النفوس وتلوثها. الزُبالة هى المعادل الموضوعي لشرور المجتمع وانعدام العدالة فيه.
فالأعمال الأدبية تستخدمها لتصوير تدهور المجتمعات وانهيار القيم.

باختصار، الأدب يحول القمامة من مجرد نفايات إلى رمز قوي يعبر عن تدهور الإنسان والمجتمع، ويدعو إلى إعادة النظر في القيم والمعايير.

فالجمال يقود إلى الجمال ويعانقه في أي بقعة في الكون، ولذلك غالبًا نجد مبدع الأدب ومتذوقه عاشقًا للموسيقى. يقول الأديب رومان رولان : «إذا كانت الموسيقى بالنسبة لنا شيئًا غاليًا، فلأنها كلمة الروح الأكثر عمقًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى