مقالات

مخيم الهول: مقاربة إنسانية – اجتماعية لواقع مابعد النزاع

الدكتورة تغاريد محمد الفواز / سوريا
باحثة وكاتبة
المدير التنفيذي – مركز الأفق الدمشقي للإعلام
رئبس اكاديميات عدة

تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على الواقع الإنساني والنفسي للأطفال والنساء في مخيم الهول شمال شرق سوريا، بوصفه أحد أكثر ملفات ما بعد النزاع تعقيدًا وحساسية. وتنطلق الورقة من مقاربة إنسانية–اجتماعية، تميّز بين المسؤولية الفردية والعقاب الجماعي، وتناقش التحديات القائمة، مع اقتراح مسارات عملية للتأهيل والحماية وإعادة الإدماج، بما يحقق التوازن بين المتطلبات الأمنية والواجبات الإنسانية.

مقدمة
استوقفني صراخ امرأة تقطن مخيم الهول وهي تقول: «أنا لست داعشية… أخرجونا وأولادنا من هنا». لا تمثل هذه العبارة موقفًا سياسيًا، بقدر ما تعكس مأساة إنسانية مركبة يعيشها آلاف النساء والأطفال الذين وجدوا أنفسهم عالقين في فضاء مغلق، بين ماضٍ لم يختاروه ومستقبل غامض.

تحاول هذه الورقة قراءة واقع مخيم الهول بعيدًا عن التعميم أو التبرير، من خلال التركيز على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال، وتحليل المخاطر المترتبة على استمرار هذا الوضع دون حلول جذرية.

أولًا: مخيم الهول كأزمة ما بعد نزاع
يقع مخيم الهول في ريف الحسكة، وقد تحوّل بعد عام 2019 من مخيم نزوح إلى مساحة احتجاز طويلة الأمد لآلاف النساء والأطفال، معظمهم من عائلات مقاتلي تنظيم داعش، إضافة إلى حالات لم تثبت بحقها أي مشاركة مباشرة في العنف.
هذا التحول أفرز بيئة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الأبعاد الإنسانية، ما جعل المخيم نموذجًا لأزمات ما بعد النزاع غير المحسومة.

ثانيًا: الأطفال بوصفهم الفئة الأكثر تضررًا
يشكّل الأطفال النسبة الأكبر من قاطني المخيم، وقد نشأ معظمهم في ظروف استثنائية اتسمت بالعنف، والحرمان، وانعدام الاستقرار.

ويواجه هؤلاء الأطفال تحديات متعددة، من أبرزها:
1- الصدمات النفسية واضطرابات ما بعد الصدمة.
2- غياب التعليم النظامي المستقر.
3- انعدام الشعور بالأمان والانتماء.
4- خطر إعادة إنتاج العنف نتيجة الإقصاء والوصم.

إن التعامل مع هؤلاء الأطفال باعتبارهم امتدادًا لجرائم لم يرتكبوها يُعد انتهاكًا لمبادئ العدالة، ويهدد الأمن المجتمعي على المدى البعيد.

ثالثًا: النساء بين التعميم والمسؤولية الفردية
تضمّ نساء مخيم الهول حالات متباينة؛ فمنهن من أُجبرت على الزواج، أو خُدعت، أو انسحبت مبكرًا من التنظيم، إلى جانب حالات أخرى قد تكون متورطة بشكل مباشر. ويؤدي التعميم في توصيف جميع النساء إلى طمس الفروق القانونية والأخلاقية، وتحويل المخيم إلى مساحة للعقاب الجماعي.

وتؤكد القاعدة الشرعية والإنسانية: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، على ضرورة الفصل بين المسؤوليات الفردية، وعدم توريث الذنب.

رابعًا: الإشكالية الأمنية وحدود المقاربة الحالية
لا يمكن تجاهل وجود أفكار متطرفة داخل المخيم، إلا أن إدارة الملف بمنطق الاحتجاز طويل الأمد دون برامج تأهيلية فاعلة يساهم في تجميد الخطر بدل تفكيكه. فالأمن المستدام لا يتحقق بالعزل وحده، بل بمعالجة الجذور النفسية والاجتماعية والفكرية للأزمة.

خامسًا: مسارات الحلول الممكنة
تقترح الورقة جملة من المسارات العملية:
1. التقييم القانوني الفردي: اعتماد آليات واضحة لتحديد المسؤوليات الفردية ومحاسبة من يثبت تورطها، مع حماية غير المدانات.

2. حماية الأطفال: فصل الأطفال عن بيئات التطرف، وإنشاء مراكز رعاية وتأهيل مستقلة، وضمان الهوية القانونية والتعليم.

3. التأهيل النفسي: برامج علاج نفسي متخصصة وطويلة الأمد لمعالجة آثار الصدمة.
4. التعليم المعتدل: توفير تعليم نظامي ومناهج قائمة على القيم الإنسانية والدينية الوسطية.

5. إعادة تأهيل النساء: برامج فك الارتباط الفكري، والدعم النفسي، والتمكين الاقتصادي.

6. التعاون الوطني والدولي: تحميل الدول مسؤولية رعاياها، وتبني مقاربة غير مسيّسة لإدارة الملف.

7. دور المجتمع المدني: إشراك المؤسسات التربوية والدعوية المعتدلة والإعلام المسؤول في الحد من الوصم والتحريض.

خاتمة
يمثل مخيم الهول اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية على الموازنة بين الأمن والإنسانية. فاستمرار الوضع الراهن لا يعني إدارة الأزمة، بل ترحيلها إلى المستقبل. إن الاستثمار في التأهيل والحماية وإعادة الإدماج ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لتفادي إعادة إنتاج العنف في أجيال لم تُمنح فرصة الاختيار.

كلمات مفتاحية: مخيم الهول، الأطفال، ما بعد النزاع، التأهيل النفسي، إعادة الإدماج، الأمن الإنساني.

المصادر والمراجع

1. صندوق الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)، تقارير حماية الأطفال في النزاعات المسلحة، ملف شمال شرق سوريا.
2. مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، تقارير حول أوضاع المخيمات في سوريا.
3. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، Humanitarian Needs Overview – Syria.
4. اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، تقارير حول الاحتجاز غير النظامي وأثره على الأطفال.
5. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، دراسات ما بعد النزاع وإعادة الإدماج المجتمعي.
6. منظمة إنقاذ الطفل (Save the Children)، تقارير حول أطفال مخيم الهول والتأثيرات النفسية طويلة الأمد.
7. المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، تقارير عن النساء والأطفال العائدين من مناطق النزاع.
8. دراسات مركز كارنيغي للشرق الأوسط حول مخيم الهول والتحديات الأمنية والإنسانية.
9. تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) حول مخاطر التطرف في مخيمات ما بعد داعش.
10. القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية 164.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى