مقالات

«عَمُودُ القَرْيَةِ» بِقَلَمِ الأَدِيبِ المِصْرِيّ د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة

فِي كُلِّ قَرْيَةٍ عَمُودٌ لَا تَرَاهُ العُيُونُ، وَلَا يُكْتَبُ اسْمُهُ عَلَى لَافِتَةٍ، وَلَا يُصَفِّقُ لَهُ أَحَدٌ، وَلَكِنَّهُ يَبْقَى وَاقِفًا، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ سُقُوفًا كَثِيرَةً لَنْ تَصْمُدَ إِنْ مَالَ قَلِيلًا. هُوَ رَجُلٌ كَانَ صَوْتُهُ فِي الأَمْسِ يَمْلَأُ المَكَانَ هَيْبَةً، ثُمَّ تَعَلَّمَ أَنْ يُخْفِتَهُ، لَا ضَعْفًا، بَلْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَصَدَّعَ مَا بَقِيَ حَوْلَهُ.

يَحْمِلُ فِي صَمْتِهِ أَثْقَالًا لَا تُرَى؛ خَطِيئَةَ وَلَدٍ لَمْ يُحْسِنْ تَقْوِيمَهُ، وَلُقْمَةَ حَفِيدَةٍ تَسْأَلُهُ لِمَاذَا يُطْفِئُونَ النُّورَ مُبَكِّرًا، فَيَبْتَسِمُ… كَأَنَّ الصَّمْتَ أَرْحَمُ مِنَ الحَقِيقَةِ. يَحْمِلُ دَمْعَةَ ابْنَةٍ تَتَجَهَّزُ لِحَيَاةٍ لَا يَمْلِكُ لَهَا كِفَايَتَهَا، وَيَحْمِلُ نَظَرَاتٍ تَغَيَّرَتْ مِنَ التَّقْدِيرِ إِلَى الشَّفَقَةِ، وَهِيَ أَثْقَلُ مِنَ الفَقْرِ نَفْسِهِ.

لَا يَشْتَكِي، لِأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّ الشَّكْوَى تَرَفٌ لَا يُتَاحُ لِمَنْ يَسْنُدُ غَيْرَهُ. يَقْضِي لَيْلَهُ فِي حِسَابَاتٍ لَا تَنْتَهِي، يُؤَجِّلُ بِهَا انْهِيَارًا يَعْرِفُ أَنَّهُ قَرِيبٌ، ثُمَّ يُصْبِحُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ بِشَيْءٍ.
ثم يضحك.

ببساطةٍ مُخيفة… يضحك.
اِبْحَثُوا عَنْهُ فِي آخِرِ طَابُورِ الخُبْزِ، لَا يَرْفَعُ عَيْنَهُ كَثِيرًا، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَلْتَقِيَ بِمَنْ يَعْرِفُهُ. وَابْحَثُوا عَنْهُ وَهُوَ يُقَلِّبُ النُّقُودَ فِي يَدِهِ طَوِيلًا، لَا لِيَخْتَارَ… بَلْ لِيُقْنِعَ نَفْسَهُ أَنَّ مَا مَعَهُ قَدْ يَكْفِي.
وَابْحَثُوا عَنْهُ سَاجِدًا…
يَدْعُو لَهُمْ.
طَوِيلًا…
ثُمَّ
يَسْكُتُ
عِنْدَ نَفْسِهِ.

يَا أَهْلَ القَرْيَةِ، لَيْسَتِ المُشْكِلَةُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ «آهٍ»… بَلِ المُشْكِلَةُ أَنَّكُمْ اعْتَدْتُمْ صَمْتَهُ. كِبْرِيَاؤُهُ يَحْمِيهِ مِنَ الانْكِسَارِ أَمَامَكُمْ، وَلَكِنَّهُ لَا يَحْمِيهِ مِنَ الانْكِسَارِ فِي دَاخِلِهِ.
هُنَاكَ…
شَيْءٌ يَتَصَدَّعُ كُلَّ يَوْمٍ
وَلَا يُرَى.
اِسْمَعُوهُ فِي تَفَاصِيلِهِ الصَّغِيرَةِ: فِي ثَوْبٍ أَكَلَتْهُ السِّنُونُ، فِي حِذَاءٍ يُكْمِلُ الطَّرِيقَ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، فِي «الحَمْدُ للهِ» الَّتِي تَخْرُجُ مُثْقَلَةً بِمَا لَا يُقَالُ.

وَيْحَكُمْ، إِنْ مَالَ هَذَا العَمُودُ لَنْ تَسْقُطَ البُيُوتُ وَحْدَهَا، بَلْ سَيَسْقُطُ مَا كُنَّا نَظُنُّهُ ثَابِتًا: السَّتْرُ، وَالرَّحْمَةُ، وَمَعْنَى أَنْ يَكُونَ فِي البَيْتِ «رَجُلٌ».
إِذَا لَقِيتُمُوهُ… فَلَا تُثْقِلُوا عَلَيْهِ بِالأَسْئِلَةِ، وَلَا تُحَرِّجُوهُ بِالعَطَاءِ. فَقَطْ دَعُوهُ يَعْلَمُ… أَنَّهُ مَرْئِيّ.

قُولُوا لَهُ: نَرَاكَ.
فَهُوَ…
لَمْ يَعُدْ يَطْلُبُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَنْتَ يَا عَمُودَ القَرْيَةِ… نَعْلَمُ أَنَّكَ تَعِبْتَ، وَنَعْلَمُ أَنَّكَ لَنْ تَقُولَهَا. لَكِنْ… لَا تَقَعْ. لَيْسَ بَعْدُ.
لِأَنَّ أَطْفَالًا…
لَا يَزَالُونَ
يَتَّكِئُونَ عَلَيْكَ
دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا.
وَإِنْ سَقَطْتَ…

لَنْ تَصْدُرَ ضَجَّةٌ.
لَنْ يَنْتَبِهَ أَحَدٌ فِي اللَّحْظَةِ الأُولَى.
لِأَنَّكَ…
سَتَخْتَارُ
أَنْ تَسْقُطَ وَحْدَكَ…
بَعِيدًا.
فِي كُلِّ بَيْتٍ عَمُودٌ… لَا تَنْتَظِرُوا سُقُوطَهُ لِتَعْرِفُوا قِيمَتَهُ. وَإِنْ سَقَطَ…لَنْ تَسْمَعُوا صَوْتَ السُّقُوطِ. لِأَنَّهُ سَيَخْتَارُ أَنْ يَسْقُطَ وَحْدَهُ… بَعِيدًا…حَتَّى لَا يُفْزِعَ مَنْ عَاشَ عُمْرَهُ يُطَمْئِنُهُمْ.
فَبَعْضُ الأَعْمِدَةِ…
تَنْهَارُ
دُونَ أَنْ تَقَعَ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى