كن بجوار الرامي تنجو

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
لم يعد الخطر كامناً في الوحدة كما كنا نظن، بل أصبح في كثير من الأحيان مختبئًا داخل التجمعات، خلف الوجوه المألوفة، وتحت عناوين الصداقة والقرب. فكم من إنسانٍ ظن أن في الناس أُنسه، فاكتشف أن بينهم وجعه، وأن الضجيج من حوله لم يكن إلا ستارًا لوحدةٍ أعمق وأقسى.
أحيانًا تكون الوحدة أرحم من صحبةٍ مسمومة، أرحم من غدر حبيب، ونفاق صديق، وقسوة قريب. ليست الوحدة فراغًا كما يراها البعض، بل قد تكون امتلاءً هادئًا، وسلامًا داخليًا لا يُقدَّر بثمن. فأنا وإن بدوت وحدي ظاهريًا، لست وحدي أبدًا… معي الله دائمًا، ومن كان مع الله، فلا خوف عليه.
لقد تبدلت المعاني، وأصبحت الصحبة – في كثير من صورها – مصدر أذى نفسي ورعب خفي، خاصة حين تأتي الطعنات من دوائر كنا نظنها الأقرب: من أقارب، أو جيران، أو حتى أصدقاء. تجارب قاسية تُعلّم الإنسان أن القرب لا يعني الأمان، وأن كثرة الناس لا تعني الدفء.
الإنسان يُولد طيبًا، ويُربى على القيم والأخلاق، لكن حين يختلط بمن يظلم ويؤذي، وحين يُدفع مرارًا إلى حافة الصبر، قد يجد نفسه ينحدر لمستوى لا يشبهه، فقط ليرد الأذى. وهنا تكمن الخسارة الحقيقية… حين نخسر أنفسنا ونحن نحاول الدفاع عنها.
لذلك، فإن الابتعاد عمن يؤذيك ليس ضعفًا، بل قوة ووعي. هو حفاظ على نقاء روحك، وصون لما تبقى من سلامك الداخلي. فالوحدة، رغم ألمها أحيانًا، تبقى أهون من صحبة تُنغص الحياة، وتُرهق القلب، وتُطفئ نور النفس.
وفي عزلةٍ واعية، يدرك الإنسان أنه غير مُجبر على الرد، ولا على خوض معارك لا تليق به، ولا على الانشغال بمن أساؤوا إليه. يكفيه أن يحيا بسلام، بعيدًا عن ضجيج مؤذٍ، وقلوبٍ لا تعرف الرحمة.
فلنكن بجوار “الرامي” لننجو…
ولكن ليس كما يُفهم ظاهرًا، بل لنكن بجوار الله، خالق القدر، ومدبر الأمور. فهو وحده من يملك السهام، وهو وحده من يحمي من وقعها. ومن احتمى بالله، لن يُصيبه ما يخشاه، ولن يضره ما حوله.
في القرب من الله نجاة،
وفي البعد عن الأذى حياة،
وفي اختيار الوحدة… أحيانًا، حكمة.




