د.مايكل عادل صبحي يكتب جواسيس بلا وجوه: الخوارزمية التي تراقبك

خبير الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات
لعقود طويلة، ارتبطت الجاسوسية في أذهاننا بصور العملاء السريين، المعاطف الطويلة، الكاميرات الدقيقة المخبأة في الأقلام، والمطاردات المثيرة في شوارع العواصم الكبرى لكن يبدو أن هوليوود ستحتاج إلى تحديث نصوصها قريباً؛ ففي عصرنا الحالي، لم يعد الجاسوس الأخطر رجلاً يرتدي بذلة أنيقة، بل هو عبارة عن سطور من الأكواد والخوارزميات التي تعمل بصمت داخل خوادم عملاقة.
إننا نعيش اليوم فجر “الجاسوسية الرقمية المعززة بالذكاء الاصطناعي”، وهي ثورة هادئة لكنها مرعبة، تقلب موازين القوى العالمية وتعيد تعريف مفهوم الأمن القومي والفردي على حد سواء ففي الماضي، كان جمع المعلومات الاستخباراتية يتطلب جيشاً من المحللين لقراءة الوثائق أو الاستماع إلى المكالمات، أما اليوم، فيمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي ابتلاع وتحليل “البيانات الضخمة” بحجم الإنترنت بأكمله في ثوانٍ معدودة.
من المؤكد إنة تمتلك هذه الخوارزميات القدرة على التنقيب في ملايين التغريدات والمنشورات والصور والمكالمات المشفرة لربط الخيوط واستنتاج الأنماط؛ فصورة بريئة تُنشر على إنستغرام قد تكشف، من خلال تحليل الخلفية وزاوية الظل، عن الموقع السري لقاعدة عسكرية أو تحركات شخصية حساسة ولعل الأخطر في هذه الترسانة الحديثة هو تقنية “التزييف العميق” (Deepfakes)، حيث لم تعد وكالات الاستخبارات أو القراصنة بحاجة لتجنيد أشخاص حقيقيين، بل يمكنهم توليد هويات كاملة لأشخاص غير موجودين بوجوه واقعية وأصوات مقلدة ببراعة لبناء علاقات مع موظفين في جهات حساسة واستدراجهم لتبادل معلومات سرية في أبشع صور “الهندسة الاجتماعية”.
وإلى جانب ذلك، لم تعد الهجمات السيبرانية مجرد برمجيات خبيثة تُطلق وتُترك، فقد خلق الذكاء الاصطناعي جيلاً جديداً من الفيروسات “الذكية” التي تتعلم وتتكيف وتعمل كجواسيس داخل النظام، تنتظر اللحظة المناسبة لسرقة المعلومات دون ترك أثر ورغم قتامة الصورة، يُعد الذكاء الاصطناعي أيضاً خط الدفاع الأول في “حرب باردة” جديدة بين خوارزميات تهاجم وأخرى تدافع.
وفي خضم صراع القوى الكبرى، لم تعد الجاسوسية تقتصر على أسرار الدول بل امتدت لتشمل الشركات والأفراد، لتصبح خصوصيتنا العملة الأغلى في السوق الرقمي لقد نزع الذكاء الاصطناعي الطابع الرومانسي عن الجاسوسية وحولها لساحة معركة رياضية لا ترحم، والسؤال الآن لم يعد “مَن يراقبنا؟”، بل “ما هي الخوارزمية التي تحلّلنا؟”، فالمنظمات التي ستفشل في تبني هذه التقنيات ستجد نفسها تقاتل بأسلحة بدائية في حرب المستقبل؛ لأن عالمنا يتغير، والجاسوس القادم لن يحمل مسدساً، بل سيحمل “داتا”.




