مقالات

رَقْصٌ عَلَى حَافَّةِ اللَّايَقِينِ بِقَلَمِ الأَدِيبِ د. طَارِق رِضْوَان جُمُعَة

حِينَ تَتَهَيَّأُ السَّمَاءُ لِابْتِلَاعِ ضَجِيجِهَا — الَّذِي لَنْ تَبْتَلِعَهُ —، أَرَى نَفْسِي لَا أَبْحَثُ عَنْ مِظَلَّةٍ، بَلْ عَنْ فِكْرَةٍ تَصْلُحُ لِأَنْ تَكُونَ سَمَاءً بَدِيلَةً. أَهْرُولُ إِلَى خِزَانَةٍ قَدِيمَةٍ لِأُخَبِّئَ فِيهَا بَعْضَ قُصَاصَاتٍ مِنْ ضِحْكٍ مُؤَجَّلٍ، وَقَارُورَةَ عِطْرٍ فَقَدَ اسْمَهُ لَكِنَّهُ يَحْتَفِظُ بِذَاكِرَةِ الْأَكْتَافِ الَّتِي مَرَّ بِهَا، وَدَفْتَرًا مُهْتَرِئًا كَتَبْتُ عَلَى غِلَافِهِ: «هُنَا تُحْفَظُ النَّجَاةُ لِمَنْ يُصَدِّقُهَا».

لَنْ أَحْتَمِيَ مِنَ الْعَاصِفَةِ، بَلْ سَأَجْلِسُ فِي قَلْبِهَا كَضَيْفٍ ثَقِيلِ الظِّلِّ، أُرَاقِبُ الرِّيحَ وَهِيَ تُعِيدُ تَرْتِيبَ الْعَالَمِ بِيَدٍ رَعْنَاءَ، وَأُدَوِّنُ مُلَاحَظَاتِي عَلَى سُلُوكِ الْفَوْضَى حِينَ تَتَأَنَّقُ. سَأُغْلِي الْمَاءَ لَا لِأَصْنَعَ شَايًا، بَلْ لِأَسْتَخْرِجَ مِنْهُ صَوْتَ الْغَلَيَانِ وَأُقْنِعَهُ أَنْ يُصْبِحَ مُوسِيقَى خَلْفِيَّةً لِمَشْهَدٍ عَبَثِيٍّ أَكُونُ بَطَلَهُ الْوَحِيدَ، أَرْتَدِي فِيهِ مِعْطَفًا لَا يُنَاسِبُ الطَّقْسَ وَلَا الْمُنَاسَبَةَ، لَكِنَّهُ يَلِيقُ تَمَامًا بِفِكْرَةِ أَنْ أَبْدُوَ غَيْرَ مَعْنِيٍّ.

سَأَزْرَعُ فِي شُقُوقِ الْجُدْرَانِ بَقَايَا أَحَادِيثَ لَمْ تَكْتَمِلْ، وَأَرْوِيهَا بِدَمْعَةٍ جَافَّةٍ تَعَلَّمَتِ الْوُقُوفَ عَلَى حَافَّةِ الْعَيْنِ دُونَ أَنْ تَسْقُطَ، حَتَّى تُزْهِرَ اعْتِذَارَاتٌ صَغِيرَةٌ عَلَى هَيْئَةِ أَوْرَاقٍ خَضْرَاءَ تُلَوِّحُ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ وَلَمْ يَفْهَمْ. سَأَجْمَعُ مَفَاتِيحَ قَدِيمَةً لِأَبْوَابٍ لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً، وَأُعَلِّقُهَا فِي عُنُقِي كَتَمَائِمَ، لَيْسَ لِفَتْحِ شَيْءٍ، بَلْ لِأَتَذَكَّرَ أَنَّ الْإِغْلَاقَ أَيْضًا كَانَ يَوْمًا قَرَارًا شُجَاعًا.

وَإِنْ مَرَّ بِي عَابِرٌ يَحْمِلُ فِي جَيْبِهِ بَعْضَ الْمَنْطِقِ وَشَيْئًا مِنَ الدِّفْءِ، سَأَدْعُوهُ إِلَى وَلِيمَةٍ مِنَ الصَّمْتِ الْمَشْوِيِّ عَلَى نَارٍ خَفِيفَةٍ، أُقَدِّمُ لَهُ طَبَقًا مِنَ الذِّكْرَيَاتِ الْمُتَبَّلَةِ بِسُخْرِيَّةٍ خَفِيفَةٍ، وَأَسْكُبُ لَهُ كَأْسًا مِنِ احْتِمَالَاتٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ، ثُمَّ أُرَاقِبُ كَيْفَ يَخْتَلِطُ عَلَيْهِ الطَّعْمُ بَيْنَ الْحَنِينِ وَالدَّهْشَةِ، فَأَبْتَسِمُ كَمَنْ نَصَبَ فَخًّا مِنَ الْوَدَاعَةِ.

سَأُقْنِعُ نَفْسِي أَنَّ السَّاعَةَ الْمُتَوَقِّفَةَ عَلَى الْحَائِطِ لَيْسَتْ مُعَطَّلَةً، بَلْ تَرْفُضُ الْمُشَارَكَةَ فِي مُؤَامَرَةِ الزَّمَنِ، وَسَأُصَفِّقُ لَهَا سِرًّا لِأَنَّهَا الْوَحِيدَةُ الَّتِي تَجَرَّأَتْ عَلَى الْعِصْيَانِ. سَأَكْتُبُ عَلَى الْمِرْآةِ بِقِطْعَةِ صَابُونٍ: «هَذَا الْوَجْهُ مُجَرَّدُ اقْتِرَاحٍ»، ثُمَّ أَغْسِلُهَا قَبْلَ أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ بِوَقَاحَةِ الصِّدْقِ.
وَفِي ذُرْوَةِ الِازْدِحَامِ، حِينَ تَتَصَادَمُ الْأَفْكَارُ كَسَيَّارَاتٍ بِلَا سَائِقٍ، سَأَجْلِسُ عَلَى الرَّصِيفِ الدَّاخِلِيِّ لِرُوحِي، أَبِيعُ لِلْمَارَّةِ قِطَعًا صَغِيرَةً مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ مَلْفُوفَةً فِي وَرَقِ الْجَرَائِدِ، وَأُخْبِرُهُمْ أَنَّهَا مُسْتَوْرَدَةٌ مِنْ بَلَدٍ لَا يَعْرِفُ الْقَلَقُ طَرِيقًا إِلَيْهِ، بَيْنَمَا أَعْلَمُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِي أَنَّنِي اخْتَرَعْتُهَا لِتَوِّي.

سَأَحْتَفِظُ بِهَاتِفِي مَفْتُوحًا عَلَى مُحَادَثَةٍ لَمْ تَبْدَأْ، وَأَكْتُبُ رِسَالَةً طَوِيلَةً بِلَا عُنْوَانٍ، أَضَعُ فِيهَا كُلَّ مَا لَمْ أَقُلْهُ، ثُمَّ أَضْغَطُ «إِرْسَال» إِلَى الْفَرَاغِ، مُتَخَيِّلًا أَنَّ هُنَاكَ أَحَدًا مَا، فِي مَكَانٍ مَا، كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ دُونَ أَنْ يَدْرِي.
وَعِنْدَمَا يَشْتَدُّ الصَّمْتُ حَتَّى يَكَادُ يُسْمَعُ، سَأَكْسِرُهُ بِضَحْكَةٍ غَيْرِ مُبَرَّرَةٍ، أَخْتَبِرُ بِهَا مَرُونَةَ رُوحِي، وَأُثْبِتُ لِلْعَالَمِ — الَّذِي لَا يَنْظُرُ — أَنَّنِي لَا زِلْتُ قَادِرًا عَلَى اخْتِرَاعِ سَبَبٍ لِلْبَهْجَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ وَاهِيًا كَخَيْطِ دُخَانٍ.

سَأُرَتِّبُ مَكْتَبَتِي لَا حَسَبَ الْعَنَاوِينِ وَلَا الْأَلْوَانِ، بَلْ حَسَبَ الْمِزَاجِ الَّذِي كُتِبَتْ فِيهِ، فَأَضَعُ الْحُزْنَ بِجَانِبِ الْحِكْمَةِ، وَالْعَبَثَ قُرْبَ الْفَلْسَفَةِ، وَأَتْرُكُ فَرَاغًا صَغِيرًا لِكِتَابٍ لَمْ أَكْتُبْهُ بَعْدُ، كِتَابٍ يُشْبِهُنِي حِينَ أُصَدِّقُ نَفْسِي.
وَفِي النِّهَايَةِ، لَنْ أَنْتَظِرَ خَلَاصًا يَأْتِي مِنَ الْخَارِجِ، بَلْ سَأَجْلِسُ بِهُدُوءٍ، أَعُدُّ أَنْفَاسِي كَمَنْ يَعُدُّ كَنْزًا، وَأُدْرِكُ — مُتَأَخِّرًا قَلِيلًا، لَكِنْ بِصِدْقٍ كَامِلٍ — أَنَّ النَّجَاةَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا فِي الْهُرُوبِ مِنَ الْعَاصِفَةِ، بَلْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّقْصِ دَاخِلَهَا دُونَ أَنْ أَفْقِدَ إِيقَاعِي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى