مقالات

27 مارس واليوم العالمي للمسرح.. قراءة في مسارات المسرح العربي

 

الفنانة والكاتبة
د / أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي

المسرح فضاء تتلاقى فيه الروح بالزمن؛ والحلم بالواقع ؛ والفكر بالصمت ليصبح صرخة مفهومة، وميدان استبطان للروح ، ومرآة للوعي الجماعي ، حيث تتلاقى الذاكرة بالخيال والحلم بالمستقبل؛ فتتحول الكلمات إلى رموز تجريبية والحركة إلى استجواب للوجود.

في 27 مارس اليوم العالمي للمسرح نتذكر أن المسرح العربي ليس مجرد أداةً للوعي ، أو مرأة للحرية ؛ وحلم مستيقظ على الخشبة ، تتحول الكلمات فيه إلى أفعال والخيال إلى تجربة ، والحلم إلى رسالة تمتد عبر الأجيال.

فمنذ بدايات المسرح العربي لم يكتف بتقليد النماذج الغربية بل صاغ نصوصه وادائه كمختبر للتاريخ والهوية والوعي الجمعي ؛ حيث تتشابك الصراعات الفردية مع نبض الأمة العربية بالمستويات المغايرة . لتتجلى في النصوص الأدبية بحث عن الذات في مواجهة العالم ؛ بينما يأتي الحلم بالمستقبل في المسرح ليس طموحا عابراً بل فعل ابتكار مستمر يولد في خيال الكاتب والمخرج ويتجسد منتوجه على الخشبة؛ ليصبح حواراً حياً بين الذات والمجتمع ؛ ومختبراً لإعادة صياغة الممكنات، وفك طلاسم رموز الحاضر في نص ينبض برموز رؤية مالا يراه الفكر الظاهر؛ وإحساس مالا يدركه الوعي السائد من القاهرة الى بيروت والرباط وبغداد والخليج ، حيث مزج المسرح العربي بين التقليد والتجريب ، بين الرسالة والفن ليخلق لغة مسرحية فريدة.

والجدير بالذكر هنا أن فكرة ظهور اليوم العالمي للمسرح جاءت عام 1961م ؛ عندما اقترح ( ارفي كيفما ) رئيس الهيئة الدولية للمسرح ( lTl ) تخصيص يوم 27 مارس يوماً عالمياً ليس كطقس احتفالي بالمسرح ، بل لنتذكر دائماً بأن المسرح فضاء كوني للتأمل ومنارة للحلم الفردي والجماعي ومختبر دائم للروح والفكر، وللتأكيد على أن المسرح رحلة مستمرة من الإبداع الذي يربط الماضي بالحاضر والمستقبل . وفي هذا السياق يصبح يوم 27 من مارس أكثر من مجرد تاريخ : بل هو لحظة فلسفية وجمالية للتوقف ، وتجربة حية للحلم ، وميدان لاكتشاف الذات والعالم ، حيث يتحقق المسرح كجوهر للفن والمعرفة والإبداع.

إن يوم 27 مارس ليس مجرد تاريخ للاحتفاء باليوم العالمي للمسرح ، بل هو لحظة معرفية وجمالية للتأمل ، وميدان حي لاختيار الحلم، وفضاء يفتح أمام الإنسان إمكانات الوعي والخيال والمستقبل في قراءة خاصة للمسرح بمساراته، حيث يتبين أن المسرح العربي رحلة مستمرة من الابتكار والتأمل والتجربة الإنسانية العميقة ، التي يظل المسرح فيها بوابة للحلم والمعرفة والوجود . كونه مرآة نرى فيها أنفسنا ونافذة نحلم منها بعالم لم يكتب بعد .. عالم يزرع الدهشة في قلوب الأطفال قبل الكبار؛ عالم نحلم به في عالمنا العربي يقول كلمته دون خوف ويصنع جمهوره دون وصاية.. دولة فنون وإبداع تصل للعالم دون أن تفقد صوتها الأصيل لهويتها الفريدة ؛ دولة تكتب عالمها بجرأة وتحاكي الإنسان جمعاء دون عنصرية ؛ دولة فنون وإبداع تستمتع بها العين وتوقظ بها العقل ويحرك فكرها الضمير الحي دون انحناء.. بفضاءات لا تنتهي فيها الأسئلة ليبقى المسرح مستيقظاً بعقول واعية متقدة ، مبدعة على خشبة المسرح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى