مقالات

التاء الأربعة… سِيمْفُونِيَّةُ التَّفْتِيشِ وَأُغْنِيَةُ التَّصَيُّدِ.. بقلم الأديب د. طارق رضوان جمعة

في صباحٍ مدرسيٍّ هادئ، حيثُ تصحو السبورةُ على طبشورِها، وتستيقظُ الدفاترُ على أحلامِها، ويتهيّأُ المعلمُ ليزرعَ في العقولِ بذورَ الفِكَر…يُفاجَأُ الجميعُ بموكبٍ مهيب، كأنَّهُ زفَّةٌ بلا عريس، أو فرقةٌ بلا لحن. إنَّهُ موكبُ المتابعة! وتدق طبول الكر والفر.

فيدخلون المدرسةَ دخولَ الفاتحين، ويجوسون الفصولَ جوسَ الباحثين عن جريمةٍ ضائعة، باهتمام من يفتش عن كنز فرعونى ثمين أو مفاعل نووي دفين. لا يسألون: كيف يتعلّم الطلاب؟ بل يسألون: أين السطرُ المائل؟ ولِمَ لمْ تُوقَّع الورقةُ بالقلم الأزرق بدل الأخضر؟

وكأنَّ التعليمَ في دفاترهم ليس علمًا يُبنى، بل خطأً يُصطاد! يا لغرابةِ المشهد! المعلمُ يغرسُ شجرةَ المعرفة، وهم يقيسون طولَ الظل. المديرُ يحاولُ جمعَ النظام، وهم يعدّون عددَ المسامير في الحائط. الطالبُ يبحثُ عن معنى الدرس، وهم يبحثون عن تاريخٍ ناقصٍ في أعلى الكراسة.

يا سادةُ المتابعة… لو كان التعليمُ يُقاسُ بعددِ الملاحظات، لكانت مدارسُنا جامعات، ولو كان النجاحُ يُصنعُ من محاضر التفتيش،
لكُنّا اليومَ روادَ الحضارات!
لكن الحقيقةَ غيرُ ذلك.
فالمتابعةُ التي تُفترضُ أن تكون عينًا راعية، صارت عينًا قانصة، والنصيحةُ التي كان ينبغي أن تكون يدًا ممدودة، صارت إصبعًا مرفوعة، والدعمُ الذي يُنتظر أن يكون كتفًا يُسند، صار دفترًا يُدين.

يدخلون المدرسةَ كأنهم في مسابقةٍ للصيد: هذا يصطادُ غيابَ توقيع، وذاك يظفرُ بخطأٍ في التاريخ، وثالثٌ يعودُ مزهوًا لأنه اكتشف أن السبورة لم تُمسح جيدًا!
أما الدرسُ نفسه؟ أما الطالبُ نفسه؟ أما روحُ التعليم؟

فهي تفاصيل… لا تدخل في التقرير.
يا لجان المتابعة…لسنا نطلبُ منكم مديحًا، ولا نرجو منكم تصفيقًا، لكننا نرجو قليلًا من العدل، وقليلًا من الفهم، وقليلًا من القلب. كونوا نُصحاء لا قضاة، ومُعينين لا مُدينين، ومُرشدين لا مُفتشين عن زلّة.

فالمدرسةُ ليست مسرحَ محاكمة، ولا دفترَ مخالفات،
بل ورشةُ إنسانٍ يُصنَع، وعقلٍ يُبنَى، ومستقبلٍ يُكتَب. فإن دخلتموها بعينِ الناصح، كبرَ المعلم، واطمأنَّ المدير، وتعلّم الطالب. وإن دخلتموها بعينِ الصياد…
ضاعت الرسالة، وخُنِقَ الإبداع، وصار التعليمُ نشيدًا حزينًا… بلا طلاب، وبلا أمل.
فيا أهلَ المتابعة، اجعلوا زيارتكم لحنًا لا إنذارًا، عيدًا لا جنازة، ونصيحةً لا محضرًا، ودعمًا لا تصيّدًا… حتى تعود المدرسةُ مدرسةً، لا ساحةَ تفتيش…ولا مسرحَ أخطاء. اجعلوا زيارتكم لنا عيدا فنستقبلكم نحن وطلابنا بالزهور ولا تجعلوا مدارسنا لنا ولكم وللطلاب قبور.

لِجَانِ المُتَابَعَةِ صارت مونولوجٌ ساخرٌ على إيقاعِ الضَّحكِ المُرّ. يا سَادَتِي…
المُعلِّمُ يَزرعُ فِكرًا، والمديرُ يَجمعُ النِّظام، وهم يَجمعونَ الملاحظاتِ في الدفاترِ كأنها غنائمُ الحروب. والطِّفلُ يسألُ: ما معنى الدرس؟

فيقول التقرير: لا يهم… المهمُّ أنَّ السبورةَ لم تُمسَح جيدًا!
يا سادةُ المتابعة…يا فرسانَ الدفاتر…يا صيّادي الهفواتِ والكسور…لو كان التعليمُ يُقاسُ بعددِ الهفوات،
لكُنَّا اليومَ أمةَ العباقرة!

ولو كانت الحضارةُ تُصنَعُ من محاضرِ التفتيش،لكُنَّا بنينا ألفَ مكتبةٍ…وفتحنا ألفَ عقل!
لكن يا سادتي…أنتم لا تبحثون عن العقل، أنتم تبحثون عن الخطأ. هذا يصطادُ غيابَ فاصلة، وذاك يَظفَرُ بتاريخٍ ناقص، وثالثٌ يعودُ منتصرًا لأنه نجح فى إذلال طاقم المدرسة وربان السفينة! فتعلو الزغاريدُ في التقرير: تمَّ اكتشاف مخالفةٍ عظيمة!

والمدرسةُ تقفُ حائرةً تقول:
يا قوم…العِلمُ ليس في السطورِ وحدها، ولا في التوقيعِ وحده، ولا في لونِ القلمِ يا أولي الألباب! فكونوا نُصحاءَ لا صيّادين، وكونوا عونًا لا سِجِّين، وكونوا لحنًا يُعين…لا طبلةً تُعلنُ كلَّ حين: “وُجِدَ خطأ… وُجِدَ خطأ…فليُسجَّل الخطأُ في الدفترِ الأمين!”
يا سادةَ المتابعة…إن جئتم بعينِ القلب،صارت زيارتكم عيدًا. وإن جئتم بعينِ التفتيش،صارت المدرسةُ مسرحَ تحقيق…والدرسُ أغنيةً حزينة… بلا لحن… وبلا تلاميذ.

يا سادة…المتابعة في الأصل تعني: تدعم… تنصح… تساعد… تصلح. لكن عندنا أصبحت تعني: تفتش… تتصيد… تتربص… ثم تكتب تقريرًا بطوليًا!

المعلم يحتاج من يقول له:
أحسنت هنا…وجرّب هذا الأسلوب…وهذا الطالب يحتاج دعمًا.لكن بدل ذلك نقول له: أين الهامش؟ أين الخط الأحمر؟ أين توقيع آخر الصفحة؟
وفي النهاية يخرج التقرير العظيم: “تم المرور على المدرسة… واتخاذ اللازم.”
أما التعليم نفسه…فما زال يبحث عمّن يتابعه… فعلاً لا شكلًا!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى