حَنَانِيكَ يَا اَللَّهُ بِقَلَمِ اَلْأَدِيبِ اَلْمِصْرِيِّ د. طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَةٍ

أَنَا دَائِمًا أَقِفُ فِي مُنْتَصَفِ كُلِّ اَلنِّعَمِ، فَأَنَا أَعِيشُ نِصْفَ حَيَاةٍ كَزَوْجٍ بِلَا زَوْجَةٍ وَحَبِيبٍ دُونَ حَبِيبَةٍ وَأَبٍ بِلَا ذُرِّيَّةٍ، فَلَا أَنَا مَمْنُوعٌ مِنَ اَلنِّعْمَةِ وَلَا هِيَ مُكْتَمِلَةٌ لَدَيَّ. هَذَا لَيْسَ طَمَعًا مِنِّي لَكِنَّهُ قَدَرِي.
لِيَتَنِي أُجِيدُ قَرْضَ اَلشِّعْرِ وَنَظْمَهُ، فَأَعْرِفُ كَيْفَ أُخَاطِبُ اَلْقُلُوبَ وَجْهًا لِوَجْهِ. لَكِنِّي إِنْ كُنْتُ لَا أُتْقِنُ ذَلِكَ، فَصِدْقُ نِيَّتِي وَعُلُوُّ هِمَّتِي هُمَا سَفِينَتِي لِيَصِلَ اَلْمَعْنَى مِنِّي إِلَيْهِمْ. فَإِنْ كَانَ اَلشِّعْرُ مُحْرَاثَ اَلْقُلُوبِ، لِيَجْعَلَ عَالِيهَا سَافِلَهَا كَيْ تَنْبُتَ فِيهِ اَلْمَشَاعِرُ وَتَزْهَرُ، فَإِنَّ فِطْرَتِي اَلسَّلِيمَةَ وَفَلْسَفَتِي اَلْقَوِيمَةَ تَفُوقُ اَلْبَلَاغَةَ صُوَرًا عِفَّةً وَنَقَاءً.
وَلِكَيْ تَدْرِكَ اَلْعِظَةَ اَلَّتِي بِدَاخِلِ قَلْبِي لَابُدَّ لَكَ أَنْ تَتَخَلَّلَ أَجْزَاءَهُ وَتَبْلُغَ سُوَيْدَاءَهُ، فَكَيْفَ تَسْكُنُ مَوْطِنًا لَا تَدْرِي عَنْهُ أَدَقَّ تَفَاصِيلِهِ؟! اَلْقَلْبُ مَوْطِنُ اَلرَّحْمَةِ وَهَبَةُ اَللَّهِ لَنَا، فَكَيْفَ نَخُونُ ثِقَةَ اَللَّهِ فِينَا؟! وَالرَّحْمَةُ لَا تَظْهَرُ وَتُثْمِرُ إِلَّا بِفِعْلِ اَلْخَيْرَاتِ: أَطْعِمِ اَلطَّعَامَ، أَكْسِ اَلْعَارِي، عَزِّ اَلْمَحْزُونَ وَأَجْبِرْ خَاطِرَهُ، حِينَهَا تَجِدُ بِالْقَلْبِ نُورًا، وَحِينَهَا يَمْحُو اَلْقَلْبُ أَشْجَانَهُ.
فَنُورُ اَلْقَلْبِ يَأْتِي بَعْدَ سَوَادِ اَلْحِلْكِ كَاِلْبَدْرِ يَخْرُجُ مِنْ رِدَاءِ اَللَّيْلِ، وَكَالْفَجْرِ يُدْرِجُ مِنْ مَهْدِ اَلْظَّلَامِ. كَمْ مِنْ بَلَاءٍ مِنْ حُبِّ اَلشَّهَوَاتِ وَالْمَلَذَّاتِ سَكَنَ قُلُوبَنَا وَأَوْشَكَ أَنْ يُحَوِّلَهُ لَصَحْرَاءَ جَرْدَاءَ تَعْلُوهَا اَلصُّخُورُ فَتَصِيرُ جِبَالًا. وَلَا مَخْرَجَ وَعِلَاجَ سِوَى اَلْإِحْسَانِ أَيًّا كَانَ لِلْإِنْسَانِ أَوْ لِلْحَيَوَانِ.
اِصْنَعْ مِنْ قُلُوبِ اَلنَّاسِ حَوْلَكَ نُجُومًا تُضِيءُ حَيَاتَكَ، حِينَ يَدْعُو لَكَ أَحَدُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ بِالسِّتْرِ، حِينَ يَشْكُرُونَ اَللَّهَ عَلَيْكَ وَكَأَنَّكَ نِعْمَةٌ مِنْ اَللَّهِ وَهَبَهَا لَهُمْ. حِينَ يَرْقُ قَلْبُكَ، وَتَبْكِي عَيْنَاكَ لِحُزْنِ مَهْمُومٍ، فَأَنْتَ تَعِيشُ اَلْآنَ قِمَّةَ سَعَادَتِكَ وَإِنْسَانِيَّتِكَ. فَأَنْتَ إِنْسَانٌ حِينَ تَتَلَأْلَأُ دُمُوعُكَ عَلَى خَدَّيْكَ كَنُورٍ يُزَيِّنُ لَيْلَةَ عُرْسٍ وَكَحَبَاتِ لُؤْلُؤٍ فِي صَفْحَةٍ بَيْضَاءَ.
اَلرَّحْمَةُ كَلِمَةٌ تَحْمِلُ مَعْنَى اَلرَّاحَةِ وَالْحِمَايَةِ كَشَمْسٍ فِي دِفْئِهَا وَنُورِهَا. سُلُوكٌ فَرْدِيٌّ يُحْيِي أُمَّةً.
اُنْظُرْ لِلْحُرُوفِ اَلْأَبْجَدِيَّةِ فِي بَعْضِ اَلتَّفَاسِيرِ اَلصُّوفِيَّةِ وَالرَّمْزِيَّةِ، لِتَجِدَ أَنَّهَا رُمُوزًا لِلْمَرَاحِلِ اَلْمُخْتَلِفَةِ فِي دَوْرَةِ اَلْحَيَاةِ أَوْ لِلْصِّفَاتِ اَلْإِلَهِيَّةِ:
– أ (أَلِف): اَلْبِدَايَةُ، اَلْوَحْدَةُ، اَلْأَصْلُ
– ب (بَاء): اَلْبِنَاءُ، اَلنُّمُوُّ، اَلتَّطَوُّرُ
– ت (تَاء): اَلتَّغْيِيرُ، اَلتَّحَوُّلُ، اَلانْتِقَالُ
– ث (ثَاء): اَلْثَبَاتُ، اَلِاسْتِقْرَارُ، اَلنُّضْجُ
– ج (جِيم): اَلْجَمَالُ، اَلْحِكْمَةُ، اَلْإِبْدَاعُ
– ح (حَاء): اَلْحُبُّ، اَلْحَنَانُ، اَلرَّحْمَةُ
– خ (خَاء): اَلْخَلْقُ، اَلْإِبْدَاعُ، اَلتَّغْيِيرُ
– د (دَال): اَلدَّوْرَةُ، اَلتَّكْرَارُ، اَلْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ
– ذ (ذَال): اَلذِّكْرُ، اَلتَّذَكُّرُ، اَلْوَعْيُ
– ر (رَاء): اَلرَّحْمَةُ، اَلرِّعَايَةُ، اَلْإِرَادَةُ
– ز (زَاي): اَلزَّمَانُ، اَلتَّغْيِيرُ، اَلتَّحَوُّلُ
– س (سِين): اَلسِّرُّ، اَلْغُمُوضُ، اَلْحِكْمَةُ
– ش (شِين): اَلشِّفَاءُ، اَلنُّورُ، اَلْإِرْشَادُ
– ص (صَاد): اَلصَّبْرُ، اَلْثَبَاتُ، اَلْقُوَّةُ
– ض (ضَاد): اَلضِّيَاءُ، اَلنُّورُ، اَلْإِرْشَادُ
ط (طَاء): اَلطَّهَارَةُ، اَلنَّقَاءُ، اَلصَّفَاءُ
– ظ (ظَاء): اَلْظُهُورُ، اَلْوُضُوحُ، اَلْإِرْشَادُ
– ع (عَيْن): اَلْعَقْلُ، اَلْحِكْمَةُ، اَلْإِدْرَاكُ
– غ (غَيْن): اَلْغَايَةُ، اَلْهَدَفُ، اَلنِّهَايَةُ
– ف (فَاء): اَلْفَنَاءُ، اَلزَّوَالُ، اَلتَّغْيِيرُ
– ق (قَاف): اَلْقُوَّةُ، اَلْقُدْرَةُ، اَلْإِرَادَةُ
– ك (كَاف): اَلْكَمَالُ، اَلْإِتْمَامُ، اَلنِّهَايَةُ
– ل (لَام): اَللُّقْيَا، اَلاتِّحَادُ، اَلْحُبُّ
– م (مِيم): اَلْمَوْتُ، اَلزَّوَالُ، اَلتَّغْيِيرُ
– ن (نُون): اَلنُّورُ، اَلْإِرْشَادُ، اَلْحِكْمَةُ
– ه (هَاء): اَلْهُوِيَّةُ، اَلذَّاتُ، اَلْوُجُودُ
– و (وَاو): اَلْوَحْدَةُ، اَلاتِّحَادُ، اَلْحُبُّ
– ي (يَاء): اَلْيَقِينُ، اَلْإِدْرَاكُ، اَلْحِكْمَةُ
ومِنْ أَشْهَرِ اَلْفَلَسَفَةِ اَلصُّوفِيِّينَ اَلَّذِينَ تَحَدَّثُوا عَنْ اَلْحُرُوفِ اَلْأَبْجَدِيَّةِ اَلْعَرَبِيَّةِ:
اِبْنُ عَرَبِي اَلَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ اَلْخَيَالَ هُوَ اَلْقُوَّةُ اَلَّتِي تَخْلُقُ اَلْوَاقِعَ وَأَنَّ اَلْحَقِيقَةَ هِيَ نَتِيجَةُ لِلْخَيَالِ. كِتَابُهُ اَلْشَّهِيرُ “اَلْفُتُوحَاتُ اَلْمَكِيَّةُ” هُوَ أَحَدُ أَهَمِّ اَلْكُتُبِ فِي اَلْفَلْسَفَةِ اَلْصُّوفِيَّةِ وَيَحْتَوِي عَلَى أَفْكَارِهِ حَوْلَ اَلْوَحْدَةِ اَلْوُجُودِيَّةِ وَالْحُرُوفِ اَلْأَبْجَدِيَّةِ وَالْخَيَالِ.
جَلَالُ اَلدِّينِ اَلرُّومِيِّ مِنْ أَهَمِّ أَفْكَارِهِ أَنَّ اَلْحُبَّ اَلْإِلَهِيَّ هُوَ اَلْقُوَّةُ اَلَّتِي تَرْبُطُ اَلْإِنْسَانَ بِالْوُجُودِ اَلْأَسْمَى. يَعْتَبِرُ اَلرُّومِيُّ أَنَّ اَلصُّوفِيَّةَ هِيَ اَلطَّرِيقُ إِلَى اَلْحَقِيقَةِ وَأَنَّهَا تَتَطَلَّبُ اَلتَّخَلِّي عَنْ اَلذَّاتِ وَالَانْغِمَاسَ فِي اَلْحُبِّ اَلْإِلَهِيِّ. كِتَابُهُ اَلْشَّهِيرُ “اَلْمَثْنَوِيُّ” هُوَ أَحَدُ أَهَمِّ اَلْكُتُبِ فِي اَلْفَلْسَفَةِ اَلْصُّوفِيَّةِ.
وَلِلْحُرُوفِ اَلْأَبْجَدِيَّةِ دَلَالَاتٌ فِي عُلُومٍ أُخْرَى مِثْلُ: عِلْمِ اَلْفَلَكِ وَعِلْمِ اَلنَّفْسِ وَعِلْمِ اَلْأَحْيَاءِ وَعِلْمِ اَلْحَاسُوبِ وَفِي عِلْمِ اَلنَّفْسِ، وَفِي اَلرِّيَاضِيَّاتِ وَغَيْرِهِمْ.
كُنْ رَاقِيًا فِي صَبْرِكَ، سَمْحًا فِي عَطَائِكَ، عَالِمًا بِالْحَقِّ، غَاضِبًا لِلْبَاطِلِ، فَاضِلًا فِي أَخْلَاقِكَ، قَائِمًا بِالْحَقِّ، كَرِيمًا فِي نَفْسِكَ، لَطِيفًا فِي مُعَامَلَتِكَ، مُحْسِنًا إِلَى الْجَمِيعِ، نَاصِرًا لِلْحَقِّ، هَادِيًا إِلَى الصَّوَابِ، وَاضِعًا لِلْأُمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا، يَاسَمِينًا فِي طَبْعِكَ، يُؤْثِرُ الْخَيْرَ عَلَى نَفْسِهِ.




