شعر وأدب

مطر.. بقلم الشاعر أحمد حمدان

مطر…
لا أدري من أي وطنٍ غريبٍ يجيء الحزن مع المطر.
وما سرُّ الحب الذي يختبئ في صدره حتى ينهمر.
الجبال في صمتها مآذنُ أزلية، والأشجار في ارتعاشها ركوعٌ لا ينتهي.
ترتجف الأغصان المرهقة بأصابعها كطفلةٍ تستجدي حضن السماء.
وتستيقظ الأرواح النائمة في حجارة البيوت والأرصفة كوليد من نور .
تنبض الجذوع الهرمة كصدورٍ تستقبل النفَس الأول.

…… .
المطر ليس نزولًا…
بل صعودٌ للروح نحو أصلها، حيث تتطهّر القلوب من غبار الأيام وحزنها ..
وكل قطرة تهوي كرسالة عشقٍ ضاعت في طريقها، ثم عادت لتقرع نافذة القلب.
تجيء كآية، تهمس في الأذن: “كنتُ معكم قبل أن تُولدوا، وسأبقى بعد أن ترحلوا.”..
………

عطر التراب المبتلّ قصيدة بلا حروف.
أصدق من كل الشعر، وأعمق من ما يُختزَن في الذاكرة.
هو اللغة السرية التي يفهمها الفلاح، والعاشق، والرحّالة الذي مرّ مصادفة.
المطر ليس ماءً يتساقط، بل اعترافٌ علنيّ من السماء:
“ما زلتُ أحبّكم.”

كل غيمة رسالة حب من المطلق إلى المخلوق.
فالمطر ليس دمعًا، بل قبلة.
ليس غربة، بل عودة.
وليس انطفاءً، بل إشعال سرّ الحياة في العظم والدم.
……

المطر…
ارتعاشة الورق حين يتلقّى قبلة.
وحي نازل من غيبٍ لا يُسمّى.
كلامٌ بغير حروف.
سرٌّ يُسكب على هيئة قطرات.

ليس ماءً بل تجلٍّ.
ليس سيلًا بل وصال.
وكل قطرة مرآة، نرى فيها صورتنا الأولى قبل أن تُنفخ فينا الروح.
أو ربما كتاب مقدس يقرأه القلب قبل العين.
…… ..

المطر…المطر ..المطر .. .
ذلك الزائر الذي لا يُعلن قدومه.
ولا يطرق بابًا، بل يقتحم الأرواح قبل أن يبلّل الزجاج.
كل قطرة تروي شجرة، تُطفئ وجع صخر، أو توقظ قلبًا ذابلًا.
ما أجمل أن نقف تحته بلا مظلة،نذوب في عزفه الساحر بين الأرض والسماء، لنترك أرواحنا ترتوي حتى السكر.

المطر يعيدنا أطفالًا. نركض في الأزقة الطينية.
نضحك لصوت أحذيتنا وهي تغوص في الوحل.
كل غيمة تحمل رسالة حب مكتوبة بلغة الماء.

فالمطر لا يسقط من الغيم، بل يتفجّر من داخلنا.
من قلوب عطشى قَسَتها شمسٌ طويلة، من جباهٍ سمراء مُثقلة، من أصابعٍ تشقّقت في صمت.
فجاء المطر.
ولم يبقَ غيره…
وحده المطر…
…………… .
أحمد حمدان ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى