
بقلم الفنانة والكاتبة
د . أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي
تتسارع الأحداث وتتلاحق الأزمات ، ليجد الإنسان نفسه تحت وطأة إرهاق لا يقتصر ؛ تأثيره على الجسد فحسب ؛ بل يمتد إلى الروح والعقل ؛ نتيجة تراكمات وصراعات دامية وعوامل سياسية وثقافية واقتصادية على مستوى العالم أجمع ؛ لتلك الحروب المتواصلة ؛ حد الانفجار المعلوماتي ؛ لتشمل : الصراعات المسلحة ، وانتشار الأهداف البغيضة للعولمة ، وتلك التغيرات الثقافية والاجتماعية الحادة لمحو الهويات وإعادة رسم الجغرافيا لبلدان الشرق الأوسط من جديد .
لم يكن العقل البشري في منأى عن هذا الواقع المرير ؛ والذي في ظله تستباح الجريمة وتتوالى الانكسارات وصولاً لصعوبة متزايدة للمعالجة البناءة ؛ ومن ثم يواجه العقل البشري خطر فقدان القدرة على التفكير النقدي ؛ فتتراجع مساحة التأمل والوعي الذاتي. ومع هذه الضغوط ؛ تشتد الأزمات الاجتماعية بالتأكيد ، فيجد الإنسان نفسه محاصراً بين متطلبات الحياة اليومية لهذا الواقع المرهق ؛ والذي لا يمثل شعور شخص بعينه ؛ بل هو نتاج تراكمات لعوامل عالمية متشابكة .
ووسط هذه الفوضى يبرز الخيال الفردي كأداة وجودية ذات دلاله فلسفية لمقاومة حيوية ؛ فهو ليس مجرد ملاذ للخروج من واقع مرير، بل هو بمثابة ساحة فضاء لإعادة هيكلة وترتيب الأفكار والأولويات لاستعادة معنى الذات ، وصياغة الرؤية الشخصية للعالم ، وتطوير أدوات للفهم والتحليل ، فالخيال هو البساط السحري الذي يسمح للعقل بالتحرك نحو الحرية والإبداع ؛ والتجوال نحو الاحتمالات لإعادة بناء الواقع المرير من الداخل، بعيدا عن ضغوط الأخبار وهوس السياسات المتوترة .
يقول : سورين كير كغور الفيلسوف الدانماركي (1813- 1850)؛ إن الفرد في مواجهة العالم لا يمكن أن يعتمد على القواعد العامة أو التفسيرات الجماعية ، بل يجب عليه أن يٌعيد صياغة وجوده بطريقة شخصية ؛ هنا يصبح الخيال الفردي وسيلة للوعي الذاتي تفصل الفرد عن ضوضاء الخارج وتمنحه القدرة على التفاعل مع ذاته أولاً ؛ ثم مع عالمه بوعي ومسؤولية .
إن التحدي الحقيقي في هذا السياق هو كيفية الحفاظ على الخيال الفردي في ظل إرهاق العالم والاعتماد الكلي عليه ؛ وتلك السياسات اليومية التي تضاعف الضغوط على عملية الوعي ؛ وفي المقابل فإن الانعزال التام عن العالم يجعل الفرد أقل قدرة على التفاعل بعالمه المعيش ؛ وبالتالي تتضاءل قدرته على إمكانية التغيير ؛ لذا فإن الخيال الفردي يجب أن يكون توازنياَ ومدروسا وليس مجرد ملاذ ؛ بل يصبح بمثابة أداة فلسفية تُعيد تشكيل فهم الإنسان للعالم الخارجي ، و أداة فكرية لتطوير القدرة على مواجهة التحديات وأداة سياسية للحفاظ على استقلالية التفكير بعيداً عن التأثيرات المهيمنة .
ومن ثم فإن الفرد عندما يحافظ على القوى الإبداعية لديه ؛ يصبح الخيال ليس مجرد عمل فردى ؛ بل سلوكاً مقاوماً يٌعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم ؛ ومع التراكم الكمي للخيالات الفردية الواعية ؛ يولد نوع من التوازن الجماعي الذي يمكن أن يحمي المجتمع من الوقوع في الفوضى الفكرية ؛ أو الانجراف خلف الخطابات السياسية المؤجلة؛ إنه توازن ينبع من إرادة مشتركة للوعي والإبداع ، وليس من خوف أو استجابة رد فعلية للضغوط الداخلية أو الخارجية . لذا فإن الإنسان الذي يحافظ على خياله في عصر الإرهاق العالمي يصبح مبدعاً ؛ ليس فقط ؛ بل مقاوماً فلسفياً وفكرياً ؛ فالخيال الفردي يٌعيد تشكيل الرؤية ، ويمنح الإنسان القدرة على التفكير الحر ويجعله أقل عرضة للانصياع إلى السرديات السياسية الضاغطة ؛ بل أكثر قدرة على إعادة بناء حياته وفقاً لقيمه وهويته الخاصة .
و يبقى السؤال ..؟ هل يمكن للخيال الفردي أن يصبح عاملاً فعالاً في بناء توازن عالمي جديد ، قائم على الوعي والإبداع.؟ أم سيبقى مجرد ملاذ شخصي محدود التأثير..؟ بينما تبقى انتشار الأخبار الزائفة ، والانفجار المعلوماتي والاحتراق الرقمي الذى جعل الوعي الجماعي يرزح تحت ضغط مستمر مما أدى لإرهاق عام ؛ وأضعف المساحة الداخلية للمنظومة القيمية لإنسان هذا العصر والذي يحتاج دائما لتنمية مساحة واسعة من الخيال للفهم والقدرة على التحليل للخروج بنتائج مثمرة تعمل على الاستقرار النفسي والقيمي الذي يساعد على عملية الاتصال والتواصل بين الفروع والجذوع دون استمرار للزج بديدان أسود ينخر في العصب لتجريد الأرض من النبت الأخضر ؛ بزرع رؤوس للشياطين لمحو الهوية وتفتيت الانتماءات عبر الزمن ..؟




