مقالات

مَواكِبُ الشِّعَارَاتِ وَجَنَازَةُ الحَقِيقَة بِقَلَمِ اَلْأَدِيبِ اَلْمِصْرِيِّ د. طَارِقِ رَضْوَانَ جُمُعَة

دُنْيَا اَلْشِعَارَاتِ، لَيْلٌ بِلَا فَجْرٍ، وَنَهَارٌ بِلَا شَمْسٍ، وَحَيَاةٌ بِلَا أَمَلٍ. كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا زَائِلٌ، كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا مُؤَقَّتٌ.

نَعِيشُ فِي دُنْيَا اَلْشِعَارَاتِ، نَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِنَا، وَلَكِنَّ أَحَدًا لَا يَسْمَعُنَا. نَتَحَدَّثُ عَنْ اَلْحُرِّيَّةِ، وَنَحْنُ أَسْرَى أَنْفُسِنَا. نَتَحَدَّثُ عَنْ اَلْعَدْلِ، وَنَحْنُ ظَالِمُونَ لِأَنْفُسِنَا. لَكِنَّنَا لَنْ نَفْقِدَ اَلْأَمَلَ. سَنَجْعَلُ مِنْ دُنْيَا اَلْشِعَارَاتِ دُنْيَا اَلْحَقِيقَةِ.

حين تَتَكَسَّرُ المَعاني على صخورِ الوَهْم، وتَتَوارى الحَقائِقُ خلفَ ستارٍ من الزِّيفِ المُحكَم. نَسيرُ في طُرُقاتٍ تَزدَحِمُ بالشِّعارات، وتَتَزَيَّنُ بالألفاظِ الرنّانة، غيرَ أنَّ بَريقَها خادِعٌ، وصوتَها أجوفُ، كطبولٍ تُقرَعُ في ليلٍ بلا فجر.

أمّا الوَطَنِيَّةُ، فقد صارت – في عيونِ كثيرين – رايةً تُرفَعُ حينَ يُرادُ للفقراءِ أن يَصطفّوا في مَواكِبِ التَّضحية، وأن يُقدِّموا أرواحَهُم قرابينَ. يُنادونهم باسمِ الأرض، ويُغنّون لهم باسمِ المجد، ويُتركُ البُؤساءُ للريحِ والغُبار.

وأمّا الحُبُّ، تلكَ الكلمةُ التي وُلِدَت يومًا طاهرةً كالفجر، فقد عبثَ بها الزمانُ والناس، فاختلطت عندَ بعضهم بالرغبةِ العابرة، وتلوَّثت بنزواتٍ عابرة، حتى صارَ اسمُها يُستَخدَمُ أحيانًا ستارًا لما ليس فيه صفاءٌ ولا وفاء. فالحبُّ الحقيقيُّ أسمى من أن يكون حيلةً، وأطهرُ من أن يُختَزَلَ في نزوةٍ أو ساعة.

وأمّا تِجارَةُ الوَهْم، فقد انتشرت في الأسواقِ كما تنتشرُ النارُ في الهشيم؛ يُلوِّحُ بعضُهم للناسِ بوعودِ النَّجاة، ويبيعونَ لهم أحلامًا مُعلَّبةً عن الغيبِ والجنّة، كأنّ مفاتيحَ السماءِ صارت بضاعةً تُعرَضُ على الأرصفة. يَشترونَ الطمأنينةَ بثمنٍ، ويبيعونَ الخوفَ بربحٍ مضاعف.

وفي زِحامِ هذهِ الأوهام، يَظلُّ الفقيرُ فقيرًا، ويَظلُّ الجائعُ جائعًا، ويَمشي الإنسانُ العربيُّ بينَ الخيباتِ كمن يَبحثُ عن قَطرةِ ماءٍ في صحراءٍ بلا سراب.

فكأنّهُ لم يَبقَ في هذهِ الأرضِ – عندَ كثيرين – إلّا حقيقتانِ مُرَّتان:
موتٌ يَختَطِفُ الأعمارَ بلا استئذان، وجوعٌ يَنهشُ البطونَ بلا رحمة.

وفي بلادٍ أَثقَلَها التَّعبُ، وغَلَّفَها الضَّباب، يَبدو الضِّياعُ أحيانًا كأنّه الحقيقةُ الوحيدة؛ ضياعُ الحُلمِ في زحامِ الخُطب، وضياعُ الإنسانِ بينَ شعاراتٍ لا تُطعِمُ جائعًا ولا تَكسو عاريًا.

غيرَ أنّ التاريخَ يَهمِسُ في آذانِ اليائسين بأن الأمّةُ التي تَعرفُ جُرحَها، قادرةٌ يومًا أن تَصنعَ دواءَها.

فلا تجعلوا الضَّياعَ قدَرًا، ولا اليأسَ وطنًا، فالأوطانُ لا تُبعثُ بالشِّعارات، بل تُبعثُ بالوعي، ولا تَحيا بالخُطب، بل تَحيا بالحقِّ… حين يُقالُ بلا خوف، ويُفعلُ بلا نفاق.

ليسَ كُلُّ ما يُقالُ حُبًّا قَلْبًا،
ولا كُلُّ ابتسامةٍ صِدقًا وعَذْبًا، فكم مِن لسانٍ يُغَنِّي بالعِشْقِ شِعرًا، وقلبُهُ يَنْسُجُ في الخَفاءِ خِدَاعًا وكَذِبًا.
كم مِن عيونٍ تلمعُ بريقًا،
وفي داخلِها ليلٌ عميقٌ لا يعرفُ الشَّفَق، وكم مِن كلمةٍ تُقالُ بنبرةِ الحنان، لكنَّها في الحقيقةِ سهمٌ يُغرسُ في الأعماق. ليسَ كلُّ مَن اقتربَ كان وفيًّا، ولا كلُّ مَن وعدَ كان صادقًا، فبعضُ الوجوهِ تُجيدُ فنَّ التمثيل، وبعضُ القلوبِ لا تعرفُ إلا الرَّحيل.

يا صاحِبَ القلبِ الطَّيِّب…
لا تُسلِمْ روحَكَ لكلِّ عابر،
ولا تُعلِّقْ أحلامَكَ على كلِّ كلمةٍ عاطرة، ففي هذا الزمانِ كلماتٌ تُشبهُ الورد،
لكنَّ أشواكَها مخبَّأةٌ في الصدور. فالحبُّ الحقيقيُّ لا يكثرُ كلامُه، ولا يحتاجُ إلى ضجيجِ العهود، الحبُّ الصادقُ موقفٌ لا قصيدة،

وفعلٌ لا حكاية. وستكتشفُ يومًا…أنَّ أجملَ القلوبِ ليست تلكَ التي قالتْ كثيرًا: أحبُّك، بل تلكَ التي بقيتْ حينَ سكتَ الجميع، وصدقتْ حينَ كذبَ الجميع،
وأمسكَتْ يدكَ…حينَ تركَكَ العالمُ كلُّهُ في العراء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى