مقالات

سكينة الروح وطمأنينة الجوار

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام

في شهرٍ تُصفَّى فيه الأرواح قبل الأجساد، وتتقدَّم فيه المعاني على المظاهر، جاء القرار الذي اتخذته دولة الكويت بقصر استخدام السماعات الخارجية للمساجد على الأذان والإقامة فقط، ليحمل في طياته دلالات تنظيمية وإنسانية عميقة، تُجسِّد فهمًا راقيًا لجوهر العبادة وروح الإسلام.

فالقرار، في جوهره، ليس إجراءً إداريًا تقنيًا، بل رسالة حضارية تؤكد أن العبادة اتصالٌ روحي خالص، يقوم على الخشوع والسكينة، ويحترم خصوصية المكان والزمان والإنسان. وهو ترجمة عملية لمعنى التدين الواعي الذي لا يُقاس بارتفاع الصوت، بل بعمق الأثر.

لقد عانت كثير من المناطق، خاصة ذات الكثافة العالية للمساجد، من ظاهرة تداخل الأصوات أو ما يمكن تسميته بـ”حرب الميكروفونات”، حيث تتحول نوايا التقرب إلى الله – دون قصد – إلى سببٍ في تشويش المصلين، وإرباك الخشوع، وإزعاج السكان. فجاء القرار ليضع حدًا لهذا الخلل، ويعيد للعبادة وقارها.

مميزات القرار وأبعاده الإنسانية
أولًا: يحقق القرار الخشوع التام للمصلين داخل المسجد، إذ يتيح استخدام السماعات الداخلية فقط صفاء السمع والتركيز الكامل مع الإمام، دون تشويش أو تداخل أصوات من مساجد مجاورة، مما يعزز التدبر وحضور القلب.

ثانيًا: يجسد أسمى معاني الرحمة والإنسانية، من خلال مراعاة أحوال المرضى في بيوتهم، وكبار السن، والأطفال، وكل من قد يتأذى من ارتفاع الأصوات، ليصبح المسجد مصدر طمأنينة وسكينة، لا قلقٍ أو إزعاج.

ثالثًا: يحافظ على السلم السمعي للمجتمع، ويمنع الفوضى الصوتية التي قد تنفّر الناس من العبادة بدل أن تقرّبهم منها، ويؤكد أن النظام لا يتعارض مع الدين، بل هو أحد تجلياته.

القرار في ميزان القرآن والسنة
هذا التوجه يتسق تمامًا مع المنهج الإسلامي الواضح في أدب الصوت والعبادة. يقول الله تعالى:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف: 55)،
فالأصل في القرب من الله هو الخفاء والخشوع، لا الصخب والمغالبة.
ويؤكد القرآن مبدأ التوازن حتى في الصلاة، إذ يقول تعالى:
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 110)،
وهو توجيه رباني جامع يرفض الإفراط كما يرفض التفريط.
كما تظل وصية لقمان لابنه نبراسًا خالدًا في أدب السلوك والصوت:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ (لقمان: 19).

ومن السنة النبوية الشريفة، رُوي أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يجهرون بالقراءة فقال:
“إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن”،
في تأكيد صريح على أن العبادة لا يجوز أن تكون سببًا في أذى الآخرين.

خلاصة القول
إن قرار دولة الكويت يعكس وعيًا دينيًا ومجتمعيًا ناضجًا، يضع الإنسان في قلب التشريع، ويعيد للعبادة معناها الحقيقي: سكينة الروح، وطمأنينة الجوار، واحترام حق الجميع في الهدوء والراحة. وهو نموذج يُحتذى به في الجمع بين حسن التنظيم، وعمق الفهم، وجمال المقصد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى