انسحابٌ منْ مَضاربِ الوَجدِ.. بقلم بهيجة البعطوط

يا دارَ الهَوَى ما أبقَتِ الرِّيحُ من أطلالكِ سوى أثرٍ
كأنّه نقشٌ خافتٌ على صدرِ اللَّيلِ
هنا كنتُ أقيمُ بينَ الأمانِي
وهنا كان قلبِي ينيخُ على ركابِ الأملِ
وهنا كنتُ أُعدُّ مواسمَ الرُّجوعِ
كما يعدّ البَدوي مطالعَ النُّجومِ
ليستبصر مسارَ السحابِ
لكنّ الحبَِيبَ طَال غيابهُ
فَرُسِمَ طَيفُهُ في الذَّاكرةِ
بَيْنَ حُروفِ النِسيَانِ
امْتَدَتِ اللَّيالِي كأنّهَا سرابٌ
يُفلتُ من قَبْضَةِ اليدِ
فلم أعد أميِّز بين وعدٍ بالعودةِ
ووعدٍ خُلِق فقط للخِدَاعِ
كما تُنسى أوتادُ خيمةٍ هدَّمَتْهَا العواصفُ
وكمايبقى الوَشْمُ على الرِّمالِ
شاهدًا على الرَّحيلِ
قمتُ من غفوتِي ومن دهشتِي
كقيام الفارسِ المهزومِ من وهمٍ لا حربٍ
نَفَضْتُ عنّي رَمادَ الجَوَى
كدرعٍ من نورٍ في قلب العتمةِ
وقلعةٍ صامدةٍ وسط صِراعَ الأمْواجِ
تَزَوَدْتُ بِصمتٍ النَّجْوَى
كانسحاب الرُّوحِ من الجَسدِ
انسحبتُ من مضاربِ الهَوَى
تركت خلفي أطلال النِّسْيانِ
كما تترك الريح أثرها
على رمال الصحراءِ
ويخبو صدى خيامٍ لم تعد تُقام
يبقى صدى قلبي أُسطورةً بين النُّجومِ
أخذت ما تبقّى من نور قلبي
تركت ظلِّي وجمعت فتاتَ نبضي
رحلت من أرضٍ أنهكها التَرقّبُ
ليس خوفًا ولا كمدًا بل وفاءًا
لقلبٍ كان يومًا متيمًا
ينتظر ما لن يعودَ
ويتعلّم من العَدمِ حكمةَ الانتظارِ
أُمسكُ بيدِي خيوطَ الفجرِ
أضمّد قلبِي بنورٍ ينساب من السماءِ
أمشي بين العَالمِ والعدمِ
أرَى انعكاسَ قلبي بين النُّجُومِ
أسمع صدَى نبضِي شوقًا
في هَمسِ كُلَّ نسمةٍ…
وها أنا في صمتٍ مُتوهِّجٍ
أغلق أبواب الهَوَى بلطفٍ
وأفتح نافذة قلبي
لأجد نفسي أخيرًا حرًّةً
كما الحرُّ الذي يرحل بلا وداعٍ
ويترك وراءه أثرًا من نورٍ وحنينٍ
ونقشًا باقٍ على صدرِ الزَّمانِ
بهيجة البعطوط من تونس



