محمد غزال: أخطاء إدارة ما بعد يناير لا تُلغي الحلم لكنها تفسّر تعثّر التحول

بقلم /عائشة أمين..
قال المفكر السياسي محمد غزال، رئيس إئتلاف الجبهة الوطنية الديمقراطية، إن السؤال الحقيقي الذي ما زال مطروحًا بعد خمسة عشر عامًا على ثورة 25 يناير، ليس لماذا خرج المصريون إلى الشارع، بل لماذا لم تتحول تلك اللحظة الفارقة إلى مسار مستدام للتغيير، مؤكدًا أن الإجابة لا تكمن في إدانة الثورة ولا في تبرئة الواقع، وإنما في قراءة التجربة بعين التاريخ لا بعين العاطفة.
وأضاف “غزال” أن الخطأ الأول الذي واجه تجربة يناير تمثل في الخلط بين سقوط النظام وبناء الدولة، موضحًا أنه مع تنحي رأس السلطة ساد وهم أن الدولة نفسها قد انهارت، في حين بقيت مؤسسات الدولة قائمة بثقلها وخبرتها وتوازناتها، بينما ظل الفعل الثوري خارجها، قوي الصوت ضعيف الأدوات، ما خلق صدامًا بين واقع لم يسقط وخيال ظنّ أنه انتصر.
وأوضح محمد غزال في تصريح لـه أن الخطأ الثاني كان غياب الجاهزية السياسية، حيث تصدّرت قوى عديدة المشهد دون امتلاك الخبرة أو الكوادر المؤهلة لإدارة مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، لافتًا إلى أن العمل المعارض أو التنظيمي، مهما طال، لا يصنع بالضرورة عقل الدولة، ولا يهيئ لإدارة اقتصاد مأزوم أو مجتمع قلق، وهو ما أدى إلى إدارة المرحلة بعقل الجماعة لا بعقل الدولة.
وأشار إلى أن المشهد انزلق سريعًا إلى خطأ ثالث أكثر خطورة، تمثل في تقديم الصراع على البناء، حيث تحولت السياسة إلى ساحة استقطاب حاد، استُنزفت فيها الطاقات في معارك الهوية وتصفية الحسابات، بدلًا من التوافق على أسس دستورية واقتصادية واجتماعية جامعة، مؤكدًا أن هذا المناخ ساهم في تآكل فكرة الدولة وفتح الطريق أمام من يملك الخبرة والقدرة على الإنتظار.
وأكد رئيس إئتلاف الجبهة الوطنية الديمقراطية، علي أن الخطأ الرابع كان الانفصال عن المجتمع باسم تمثيله، موضحًا أن قطاعات من النخب الثورية تحدثت كثيرًا باسم الشعب، لكنها لم تُصغِ بالقدر الكافي لمخاوفه المشروعة من الفوضى، ولا لتوقه العميق للإستقرار، ولا لتردده أمام القفز في المجهول، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الخطاب الثوري والواقع الاجتماعي.
وأضاف أن وهم البداية الصفرية شكّل الخطأ الخامس، حين جرى التعامل مع تاريخ مصر وكأنه بدأ في 25 يناير، مع اختزال كل ما سبقها في صورة سوداء واحدة، مشددًا على أن الدول لا تُبنى بقطع الذاكرة أو محو الخبرة الوطنية، بل بفهم التاريخ ونقده والبناء فوقه لا إلغائه.
وشدد على أن الخطأ السادس تمثل في سوء تقدير الدولة العميقة واللحظة الإقليمية، موضحًا أن يناير لم تكن حدثًا داخليًا معزولًا، بل زلزالًا في إقليم شديد الحساسية، وأن تجاهل توازنات القوة الإقليمية والدولية، وحجم المصالح المتضررة، وضع الحركة التغييرية في مواجهة مفتوحة لا تملك أدواتها.
وأوضح أن الخطأ السابع، والأكثر شمولًا، كان العجز عن التحول من الثورة إلى السياسة، حيث لم تُنتج يناير مشروعًا طويل النفس، ولا مؤسسات قادرة على الاستمرار، ولا كوادر مدرّبة على الحكم، فظل الفعل الثوري أسير اللحظة، بينما السياسة بطبيعتها تحتاج إلى صبر وتراكم وتسويات واقعية.
وأختتم تصريحه مؤكدًا أن يناير لم تفشل لأنها حلمت، بل لأنها لم تُحسن إدارة الحلم، مشددًا على أن الثورة كانت تعبيرًا صادقًا عن اختناق تاريخي وتوق عميق للكرامة والعدالة، حتى وإن عجزت عن ترجمة هذا التوق إلى نظام مستقر، وأن الحفاظ على معنى يناير لا يكون بتجميدها في الذكرى أو تحويلها إلى تهمة، بل باعتبارها خبرة وطنية قاسية يجب التعلم منها، لأن السؤال الذي طرحته لا يزال مفتوحًا: كيف نغيّر دون أن نُهدر الدولة، وكيف نحلم دون أن نفقد الوطن؟




