اِحْكِي يَا شَهْرَزَاد.. بِقَلَمِ الأَدِيبِ د. طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَةٍ

لِمَاذَا قُرْبُكَ يُطَمْئِنُّنِي، وَخَوْفِي مِنْكَ يَقْتُلُنِي؟ لِمَاذَا أَجِدُ نَفْسِي فِيكَ، وَأَنَا فِيكَ أَضِيعُ وَأَتُوهُ؟ لِمَاذَا صَوْتُكَ لَمَّا يَهْدَأُ… يُحْدِثُ فِي صَدْرِي ضَجَّةً؟
وَلِمَاذَا حُضُورُكَ بَسِيطٌ… وَتَأْثِيرُهُ فِيَّ مُعْجِزَةٌ؟ لِمَاذَا أَشْتَاقُ لَكَ وَأَنَا مَعَكَ… وَأَحِنُّ إِلَيْكَ وَأَنَا أَرَاكَ؟ وَلِمَاذَا قَلْبِي يَسْبِقُ خُطْوَتِي… وَأَنَا لَا أَزَالُ أُحَاسِبُ نَفْسِي؟ لِمَاذَا كُلَّ مَرَّةٍ أَقُولُ كِفَايَةً… أَعُودُ إِلَيْكَ أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُ؟ وَلِمَاذَا أَهْرُبُ مِنْ إِحْسَاسِي… فَأَجِدُهُ سَاكِنًا فِيكَ؟
لِمَاذَا فِيكَ أَمَانٌ أَبْحَثُ عَنْهُ… وَفِيكَ خَوْفٌ أَخْشَاهُ؟ وَلِمَاذَا أَرْتَاحُ فِي قُرْبِكَ… وَأَقْلَقُ مِنْ بُعْدِكَ؟
لِمَاذَا عَيْنَاكَ سُؤَالٌ مَفْتُوحٌ… وَإِجَابَتُهُ عِنْدِي غَائِبَةٌ؟ وَلِمَاذَا كَلِمَةٌ مِنْكَ عَابِرَةٌ… تَعِيشُ فِيَّ حِكَايَةً؟ لِمَاذَا أَغَارُ عَلَيْكَ مِنْ نَفْسِي… وَكَأَنَّكَ لَسْتَ لِي؟ وَلِمَاذَا فِيكَ شَيْءٌ لَيْسَ مِلْكِي… لَكِنَّنِي فِيهِ مُقِيمٌ؟
وَلِمَاذَا—يَا مَنْ تُرَبِّي فِيَّ التَّنَاقُضَ كَأَنَّهُ فَنٌّ— أَجِدُكَ مِرْآةً لَا تُظْهِرُ وَجْهِي، بَلْ تَكْشِفُ خَبَايَا رُوحِي؟ أَتَكُونُ أَنْتَ مَنْ أَبْحَثُ عَنْهُ… أَمْ أَنِّي أَبْحَثُ عَنْ نَفْسِي فِيكَ؟
إِنِّي كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْكَ، تَبَاعَدْتُ عَنِّي،
وَكُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنِّي أَمْلِكُ قَلْبِي، وَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْكَ، كَطِفْلٍ يَفِرُّ مِنْ يَدِ أُمِّهِ لِيَغْرَقَ فِي حُضْنِ الْمَجْهُولِ.
أَيُّ سِرٍّ فِيكَ يَجْعَلُ الْأَمَانَ مُرْتَعِشًا؟
وَيَجْعَلُ الْخَوْفَ دَافِئًا كَالْعَنَاقِ؟ أَيُّ لُغْزٍ هَذَا الَّذِي يُرْبِكُ الْقَلْبَ، فَلَا هُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْبُعْدِ، وَلَا هُوَ يَسْتَطِيعُ الْمُكُوثَ دُونَ أَلَمٍ؟
كَأَنَّكَ كُتِبْتَ لِي بِلُغَةٍ لَا أُجِيدُهَا، وَكُتِبْتُ لَكَ بِحُرُوفٍ لَا تَقْرَؤُهَا، فَنَحْنُ نَلْتَقِي فِي مَعْنًى غَائِمٍ بَيْنَ الْفَهْمِ وَالْحَنِينِ.
أُحِبُّكَ… وَلَكِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تَضِيقُ عَمَّا فِيَّ، كَأَنَّهَا ثَوْبٌ صَغِيرٌ لِجَسَدِ شَوْقٍ لَا يَنْتَهِي.
أُحِبُّكَ… لِأَنَّكَ تَكْسِرُنِي بِرِفْقٍ، وَتَبْنِينِي دُونَ أَنْ تَلْمِسَ حَجَرًا وَاحِدًا فِيَّ،
وَتَجْعَلُنِي أَشْعُرُ أَنِّي أُولَدُ كُلَّمَا نَظَرْتُ فِي عَيْنَيْكَ.
فَهَلْ أَنْتَ قَدَرِي… أَمِ اخْتِبَارِي؟ هَلْ أَنْتَ نُورٌ جِئْتَ لِتُضِيءَ طَرِيقِي، أَمْ نَارٌ جِئْتَ لِتُعَلِّمَنِي كَيْفَ أَحْتَرِقُ بِكِبْرِيَاء؟ يَا هَذَا الَّذِي يُشْبِهُ الْمُعْجِزَةَ، وَيُشْبِهُ الْوَجَعَ،
وَيُشْبِهُنِي حِينَ أَضِيعُ… وَيُشْبِهُنِي أَكْثَرَ حِينَ أَجِدُ نَفْسِي فِيكَ— قُلْ لِي: كَيْفَ أَكُونُ مَعَكَ دُونَ أَنْ أَفْقِدَ نَفْسِي؟ وَكَيْفَ أَنْجُو مِنْكَ… وَأَنْتَ أَصْبَحْتَ فِيكَ نَجَاتِي؟
وَكَيْفَ—يَا مَنْ تَسْكُنُ بَيْنَ نَبْضٍ وَنَبْضٍ— أُفَسِّرُ هَذَا الِاضْطِرَابَ الَّذِي يُشْبِهُ السُّكُونَ؟ فَأَنَا إِذَا هَدَأْتُ مَعَكَ، هَاجَتْ فِيَّ أَعَاصِيرِي، وَإِذَا ابْتَعَدْتُ عَنْكَ، سَكَنَتْ… كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُكَ.
أَلَعَلَّ الْحُبَّ—كَمَا يَقُولُونَ—لَيْسَ مَا نَجِدُهُ، بَلْ مَا يُعِيدُ تَكْوِينَنَا؟ أَمْ أَنَّهُ مِرْآةٌ قَاسِيَةٌ، تُجْبِرُنَا أَنْ نَرَى فِيهَا مَا هَرَبْنَا مِنْهُ طَوِيلًا؟ إِنَّكَ لَا تُحِبُّنِي فَقَط…
أَنْتَ تُوقِظُنِي. تَضَعُ يَدَكَ عَلَى جُرْحٍ قَدِيمٍ فَيَنْزِفُ، ثُمَّ تَبْتَسِمُ… كَأَنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّ الشِّفَاءَ يَبْدَأُ هُنَا.
وَأَنَا—بِكُلِّ هَذَا الضَّعْفِ الْجَمِيلِ—
لَا أَدْرِي: أَأَشْكُرُكَ عَلَى مَا تَفْعَلُهُ بِي، أَمْ أَخَافُ مِنْكَ كَمَا يُخَافُ مِنَ الْحَقِيقَةِ؟
لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ—يَا عَزِيزِي— لَيْسَتْ دَائِمًا مُرِيحَةً، بَلْ هِيَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ
سَيْفٌ نَاعِمٌ… يَجْرَحُ بِدُونِ أَنْ يُدْمِي.
فَهَلْ أَنْتَ حَقِيقَتِي؟ أَمْ أَنَّكَ وَهْمِي الْأَجْمَلُ؟ هَلْ أَنْتَ مَا كُتِبَ لِي… أَمْ مَا كَتَبْتُهُ أَنَا لِنَفْسِي حِينَ ضَاقَ بِي الْوَاقِعُ؟
أُحَاوِلُ أَنْ أُعَرِّفَكَ، فَتَتَبَدَّدُ كَالضَّوْءِ فِي كَفِّي، وَأُحَاوِلُ أَنْ أَنْسَاكَ، فَتَتَجَسَّدُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَوْلِي: فِي صَوْتِ الْمَطَرِ،
فِي سُكُونِ اللَّيْلِ، فِي وَجْهِ كُلِّ عَابِرٍ لَا يَعْنِينِي… وَيُشْبِهُكَ.
يَا مَنْ أَضَافَ لِعُمْرِي عُمْرًا لَا يُقَاسُ بِالسِّنِينَ، بَلْ بِالْإِحْسَاسِ— إِنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ: هَلْ أَنَا أَخْتَارُكَ… أَمْ أَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي اخْتَارَنِي قَبْلَ أَنْ أُولَدَ؟
وَإِذَا كَانَ الْحُبُّ قَدَرًا، فَلِمَاذَا يُؤْلِمُ كَاخْتِيَارٍ؟ وَإِذَا كَانَ اخْتِيَارًا،
فَلِمَاذَا يَأْتِي كَالْقَدَرِ… لَا مَهْرَبَ مِنْهُ؟
أُحِبُّكَ… وَهَذِهِ الْمَرَّةَ أَقُولُهَا وَأَنَا أَعْلَمُ
أَنَّنِي قَدْ أَخْسَرُ فِي هَذَا الْحُبِّ كَثِيرًا،
رُبَّمَا نَفْسِي… رُبَّمَا سُكُونِي… رُبَّمَا كُلَّ مَا كُنْتُ أَظُنُّهُ أَنِّي.
وَلَكِنْ— أَلَيْسَ أَجْمَلُ مَا فِي الْحُبِّ أَنَّهُ لَا يُبْقِينَا كَمَا نَحْنُ؟ فَإِمَّا أَنْ يُعِيدَ خَلْقَنَا،
أَوْ يَكْشِفَنَا… أَوْ يُحَطِّمَنَا لِنَعْرِفَ أَنَّنَا كُنَّا مُتَصَدِّعِينَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ.
فَقُلْ لِي—وَلَوْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ بِصِدْقٍ— هَلْ نَحْنُ حِكَايَةٌ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُكْتَبَ؟ أَمْ نَحْنُ دَرْسٌ قَاسٍ… سَيُرْوَى يَوْمًا بِلُغَةِ النِّسْيَانِ؟




