شعر وأدب

الورقة والظل.. بقلم نجلاء محجوب

بعينين خائفتين ووجهٍ يترقّب، خرج من العتمة،
خلفه ظلّ يطارده، وجسد تحمله الريح،

يخطو نحوي مسرعًا، كأنه أراد أن يهمس بسرّ،
اقترب.. مدّ يده المرتعشة، ووضع في قبضتي
ورقة صغيرة،

قبل أن أسأله، ابتلعه الظل مع العتمة..!

مضيت دون التفات. ألملم الخوف والدهشة،
شدّدت قبضتي على الورقة، كأنها نجاة وحيدة في يدي،

عددت خطواتي نحو أمانٍ صنعه ارتجاف يده،
وترك أثره مطويًا في يدي،

لكن.. لا أعرف إن كانت نجاة أم فخًا؟
ظلي المرتعب يتبعني،
وصرخة في صدري لم أجد لها صوتًا..!
وخوف لا أعرف أهو داخلي أم حولي؟

عند مفترق الطريق..
صافحت لحظات الشروق الأولىٰ،
انكشف ضوء على رجال يشبهون الرجل نفسه،
يعدّون أوراقًا متشابهة،
وآخرون يرددون دويًا منتظمًا لا يُفسّر،

المدينة حولي تتحول إلى أرصفة متوازية،
لا تتسع إلا لشخص واحد، أمشي بلا ظلّ..!
بوصلة عيني، نظرات مسروقة بين الحين والآخر،

أحمل الخوف على نبضي، أخفي ارتجافة داخلي،
وأجرّ ظلي من خلفي حين يتسع الطريق قليلًا،

على الجانبين رجال،
وساحات بها حيوات أخرى..!

مشاهد تمر سريعًا..
مكتبة تصطف كتبها كوجوهٍ مطفأة لمنسيين،
مطعم يطهو أطباقًا تقدَّم إلى مقاعد فارغة،
حديقة، أشجارها تتساقط أوراق،
على هيئة بطاقات صغيرة ..!

في يدي ورقة يحيطها وهج من نور،
خلفي مدينة ما تزال نائمة، مطمورة تحت غطاء الليل،
كأنها تحلم بشيء لا أراه،

نظرت إليها.. فتحوّلت إلى صندوق،
كلما حدّقت فيه، تضخّم حجمه حتى ابتلعني داخله..!

صوت خطواتي يتردد بين الأيام، الممتدة.
بلا بداية أو نهاية،

في الداخل، فراغ به هالة عملاقة،
ظلال متشابكة تتبدل أشكالها كل لحظة،

أصوات الرجال تتردد،
تدور حولي.. ثم تقترب،
مددت يدي أبحث عن الورقة، فلم أجدها..!

رفعت رأسي، فإذا بها تغطي حائطًا عملاقًا،
اقتربت لأقرأها، فإذا بها تكتبني سريعًا،
كل جملة تُمحى من جسدي وتُخطّ عليها،
حتى لم يبقَ مني إلا سطور مكتوبة،

حاولت أن أقرأ سطرًا واحدًا لأصل إلى الحقيقة،
ليقين يعيدني إليّ، لكن الحروف تتبدل بسرعة،
يستحيل معها الوصول.

مرّ همس على مسامعي: “أغلق غيابه برفق..”

هممت بالقراءة من جديد.. فطوي المشهد كله..!

اقترب رجل، مدّ يده بورقة من جديد.
وقبل أن أعيره اهتمامًا،
شعرت بشيء يرفعني من المكان،

اختفت الطرق، و الأرصفة. و الرجال..!
سمعت صوتٌ يقول: “اخرج.”

وظلي يشدّني للخارج، ويردد:
“أسرع.. ولا تلتفت. لقد نجونا، لا تنظر خلفك.”

وعلى المدى.. تستيقظ المدينة، وتختفي آخر
خيوط الدهشة، والشروق يمتد بأذرع من نور.

نجلاء محجوب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى