سلوى زكري تكتب.. رحلة في تابوت الذكريات

نقابل ناس، ونصاحب ناس، ونفارق ناس، ولا ننسى أعز الناس… حبايبنا، أعز الناس.
أصبحت حياتنا هي تابوت للذكريات، مجموعة من الذكريات، وتشبيهًا بالتابوت لما له من أصل وتاريخ ولا يُقدَّر بثمن، فقيمته في أصالته. كان من الوارد أن نشبه رحلتنا في تابوت الذكريات بصندوق الذكريات، ولكن لثراء ذكرياتنا وقيمتها الغالية التي تمثل لنا الحياة، وجدنا أن القيمة الحقيقية لما يمثل لنا الحياة هو تابوت الذكريات وليس صندوقًا.
فمن الوارد أن الصندوق يهلك أيًّا كانت خامته، أما الأصالة والثراء فيما يتميز به تابوت ذكرياتنا في محتوياته، أيًّا كانت هذه المحتويات، فقد تكون بداخله أشياء بسيطة، ولكن يحمل كل شيء منها ذكرى غالية لا تُقدَّر بثمن.
يحمل معها ذكرى مكان، أو أغنية، أو ضحكة من القلب، أيًّا كانت محتويات هذا التابوت، نسبح معه في درب ذكريات لا تختفي من ذاكرتنا بكل تفاصيلها، بحلوها ومرها، سواء كانت تحمل معها ضغوطات، أو تحمل لحظات فرح وضحكة وكلمة من القلب حقيقية، فهي ذكرياتنا، حياتنا، بل على العكس أصبحت حياة ذكرياتنا، لأنها تمثل حياة نعيش عليها وبها.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كل فترات حياتنا دائمًا مع أشخاص وأماكن وتفاصيلها المختلفة فجأة تختفي؟ فجأة تصبح مجرد ذكرى، رغم ما كنا نعتقده في حينها لما فيها من صدق ووفاء؟
لا أعلم سوى أنه من الممكن أن نكون نحن، وبنوايانا، من يعتقد أنها تحمل الصدق والوفاء، فتوقعاتنا ممن حولنا على عكس الحقيقة. ودفعنا حياتنا وقلوبنا أن تعيش بتوقعاتها في هؤلاء الأشخاص، فلا نلوم إلا أنفسنا. يجب ألا نتوقع بما نتعامل نحن به، بل بما يمكن أن يعامل به الآخرون معنا.
ولكن ماذا ربحنا وماذا خسرنا؟
ربحنا ذكريات مؤلمة وموجعة ممن كنا نظن بهم الوفاء والقلوب الصادقة ولكن تظل ذكريات حياتنا نعيشها بما فيها، ونغلق عليها تابوت الذكريات لثراء ثمنه وقيمة ذكرياتنا الغالية. تسعدنا أحيانًا وتؤلمنا أحيانًا، ولكنها حياة، بل حياتنا ذكريات.
أما الخسارة، فكانت فينا من الوقت والجهد وقلوبنا الصادقة التي تقابلت بعدم الصدق وعدم الوفاء.
فهل نعيش على هذه الذكريات وكفى؟ وهل من حين لآخر نرجع إلى تابوت ذكرياتنا، ونجلس في المكان المفضل بما يحمله أيضًا من ذكرياتنا، ونفتحه ونخرج منه كل محتوياته، سواء كانت بسيطة أو كبيرة؟ منها مثلًا ورقة شجر، وردة جفّت مع الوقت ولكن نحتفظ بها، كتاب نقرأ فيه، وغيرها من الذكريات.
وكأننا نخشى أن تهلك في التابوت رغم الحفاظ عليها، نعود إليها لنطمئن عليها من آنٍ لآخر. وليس لهذا السبب فقط، بل الأكثر أننا نعود ونفتش ونخرج كل شيء منها لنسعد قلوبنا بمجرد ذكريات. وأصبحت سعادتنا الوحيدة في هذه الذكريات التي تحيي قلوبنا، بل تحيي حياتنا بها، ونستطيع أن نكمل الحياة.
فهي ليست ذكريات حياتنا، بل رحلة حياة في تابوت الذكريات.
إلى لقاءٍ مجدد مع سلسلة
رحلة في تابوت الذكريات.




