مقالات

لِمَاذَا الْخِنْزِيرُ…؟ بِقَلَمِ الأَدِيبِ المِصْرِيّ د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة

حِينَ تَمُوتُ الْغَيْرَةُ فِي صَدْرِ الْإِنْسَانِ: لَمْ يَكُنِ الْخِنْزِيرُ يَوْمًا حَيَوَانًا فِي الْحِكَايَةِ… بَلْ كَانَ مَرْحَلَةً. مَرْحَلَةً يَسْقُطُ فِيهَا الْحَيَاءُ… دُونَ أَنْ يَسْقُطَ الْجِلْدُ!!!

فِي زَمَنٍ قَدِيمٍ… حِينَ اسْتَحَلُّوا مَا حُرِّمَ… وَأَكَلُوا الْحَرَامَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ… لَمْ تُنْزَعْ عَنْهُمُ الْحَيَاةُ… بَلْ نُزِعَتْ عَنْهُمُ الْغَيْرَةُ.
“وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ”، فَصَارَ الْجَسَدُ شَيْئًا… وَالْفِطْرَةُ… شَيْئًا آخَرَ!!!

لَمْ يَكُنِ الْمَسْخُ سَوْطًا… بَلْ كَانَ كَشْفًا أَنَّ الدَّاخِلَ قَدْ تَعَفَّنَ. وَالْيَوْمَ… لَا يَعُودُ الْخِنْزِيرُ مِنَ الْحَظِيرَةِ… بَلْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا… مِنْ إِعْلَانَاتِنَا… مِنْ “عَادِي” الَّتِي نَقُولُهَا كُلَّ يَوْمٍ.

تَرَى الْوُجُوهَ بَشَرِيَّةً… لَكِنَّ الْحَيَاءَ مَنْسُوخٌ… وَالتَّمْيِيزَ مَعْطُوبٌ…
وَالْغَيْرَةَ… مُسْتَهْلَكَةٌ.

يَأْكُلُونَ كُلَّ شَيْءٍ… يُشَاهِدُونَ كُلَّ شَيْءٍ… يَقْبَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ… ثُمَّ يَسْأَلُونَ: لِمَاذَا صِرْنَا بِلَا طَعْمٍ…؟!
لِمَاذَا نَشْعُرُ بِالْخَوَاءِ…؟!!!

أَقُولُ لَكُمْ: إِذَا رَأَيْتَ الْخَنَازِيرَ تَكْثُرُ فِي أَرْضِكَ… فَلَا تَبْحَثْ عَنْهَا فِي الْمَزَارِعِ… ابْحَثْ عَنْهَا فِي الْفِطَرِ.

لَيْسَ مَا يَحْدُثُ انْفِتَاحًا بَرِيئًا… وَلَا مُجَرَّدَ “حُرِّيَّةٍ شَخْصِيَّةٍ” عَابِرَةٍ… بَلْ طَقْسٌ جَدِيدٌ… بِلَا سِكِّينٍ… يُذْبَحُ فِيهِ الْحَيَاءُ قُرْبَانًا… عَلَى مَذْبَحِ “عَادِي يَا عَمّ كُلُّ النَّاسِ كِدَهْ”. يُدَرَّبُ فِيهِ الْإِنْسَانُ أَنْ يَبْلَعَ بِلَا مَضْغٍ… لَا أَنْ يُمَيِّزَ. أَنْ يَشْتَهِيَ… لَا أَنْ يَتَعَفَّفَ. أَنْ يَسْتَهْلِكَ… لَا أَنْ يَسْأَلَ: هَلْ هَذَا يَلِيقُ؟

حَتَّى إِذَا اكْتَمَلَ الطَّقْسُ… لَمْ يَعُدْ بِحَاجَةٍ لِمَنْ يَمْسَخُهُ… هُوَ… يَخْلَعُ غِيرَتَهُ بِنَفْسِهِ.

فِي آخِرِ الْأَزْمِنَةِ… لَا يَأْتِي الْمَسْخُ كَفَضِيحَةٍ… بَلْ كَـ”مُوضَةٍ” يَوْمِيَّةٍ…
تَضْحَكُ لَهَا…
ثُمَّ تُجَرِّبُهَا…
ثُمَّ تُبَرِّرُهَا…
ثُمَّ تُصْبِحُ أَنْتَ هِيَ.

لَيْسَ الْخِنْزِيرُ نُبُوءَةً تُقِزُّكَ… بَلْ مِرْآةٌ تُعَرِّيكَ. فَكُلَّ مَرَّةٍ تَرَى الْمُنْكَرَ فَلَا يَتَحَرَّكُ فِيكَ شَيْءٌ… كُلَّ مَرَّةٍ تَأْكُلُ الْحَرَامَ وَتَقُولُ “الرِّزْقُ عَلَى اللَّهِ”… كُلَّ مَرَّةٍ تُعْرَضُ مَحَارِمُكَ عَلَى الْمَلَإِ وَتُسَمِّيهِ “ثِقَةً”… أَنْتَ لَا تَرَى الْخِنْزِيرَ… أَنْتَ… تَقْتَرِبُ مِنْهُ.

وَهُنَا السِّرُّ الَّذِي لَمْ يُقَلْ: لَمْ يُمْسَخِ الْقَوْمُ لِأَنَّهُمْ ضَعُفُوا فَقَطْ… بَلْ لِأَنَّهُمْ مَاتَتْ فِيهِمُ “الْغَيْرَةُ”. الْغَيْرَةُ عَلَى الْحَقِّ، عَلَى الْعِرْضِ، عَلَى الْوَقْتِ، عَلَى الْعَقْلِ.
صَارَ كُلُّ شَيْءٍ مُبَاحًا، مَا دَامَ “الْكُلُّ يَفْعَلُهُ”. فَكَانَ الْجَزَاءُ… أَنْ يُصْبِحَ الْمُبَاحُ فِيهِمْ… غَيْرَ إِنْسَانِيٍّ.

فَاحْذَرْ…
فَفِي هَذَا الزَّمَانِ… لَنْ يَأْتِيَكَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ: كُنْ خِنْزِيرًا… بَلْ سَيَأْتِيكَ أَلْفُ صَوْتٍ نَاعِمٍ مِنْ خَلْفِ الشَّاشَةِ يَقُولُ: “جَرِّبْ… عَادِي… مَحَدِّشْ وَاخِدْ مِنْهَا حَاجَة… خَلِّيكَ كُولْ”
أَنْتَ لَسْتَ عَبْدًا لِلَّهِ كَرِيمٍ…!!!
أَنْتَ مُجَرَّدُ مُسْتَهْلِكٍ بِلَا سَقْفٍ!!!
فَلَا تَظُنَّ نَفْسَكَ حُرًّا…!!!

وَهُنَا لَيْسَ السُّؤَالُ هَلْ عَادَ الْخِنْزِيرُ… بَلْ مَنِ الَّذِي كَسَرَ لَهُ بَابَ الْحَظِيرَةِ… وَفَرَشَ لَهُ السَّجَّادَةَ… ثُمَّ طَبْطَبَ عَلَيْهِ؟

انْتَبِهْ…
فَفِي هَذَا الزَّمَانِ… لَا يُمْسَخُ النَّاسُ لِأَنَّهُمْ جَهِلُوا… بَلْ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا… وَوَافَقُوا. وَتَبَلَّدُوا وَاسْتَبَاحُوا!!!

وَالْمَأْسَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ… أَنَّكَ قَدْ تَسْتَيْقِظُ يَوْمًا… لَا لِتَجِدَ نَفْسَكَ قَدْ تَحَوَّلْتَ لِخِنْزِيرٍ… بَلْ لِتَكْتَشِفَ…
أَنَّ أَنْفَكَ لَمْ يَعُدْ يَشُمُّ النَّتَنَ… مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ… وَلَمْ تَنْتَبِهْ…!!!!

خَاتِمَةٌ: لِمَاذَا الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ مَعًا؟ فَالْقِرْدُ… مَسْخُ الْعَقْلِ، وَدَاؤُهُ التَّقْلِيدُ الْأَعْمَى، فَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْقَطِيعُ بِلَا فَهْمٍ، شِعَارُهُ “كُنْ مِثْلَهُمْ وَلَا تُفَكِّرْ”. وَالْخَطَرُ أَنَّهُ بِهَذَا يَفْقِدُ حُرِّيَّتَهُ.

وَالْخِنْزِيرُ… مَسْخُ الْفِطْرَةِ، وَدَاؤُهُ مَوْتُ الْغَيْرَةِ، فَهُوَ يَقْبَلُ كُلَّ شَيْءٍ بِلَا تَمْيِيزٍ، شِعَارُهُ “عَادِي… كُلُّ النَّاسِ كِدَهْ”. وَالْخَطَرُ أَنَّهُ بِهَذَا يَفْقِدُ طَهَارَتَهُ.

الْقُرْآنُ جَمَعَهُمَا “الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ” لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْقُطُ سُقُوطَيْنِ: مَرَّةً حِينَ يُسَلِّمُ عَقْلَهُ، وَمَرَّةً حِينَ يُسَلِّمُ فِطْرَتَهُ. الْأَوَّلُ يَصِيرُ بَبَّغَاءَ، وَالثَّانِي يَصِيرُ بَالُوعَةً.

مقالات ذات صلة