إِلَّا أَنْتِ لَا تَبْتَعِدِي.. بقلم الصحفية/ سماح عبدالغني

حِينَ رَأَتْهُ أَلْقَتْ بِنَفْسِهَا بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ
لَعَلَّهَا تَجِدُ الدِّفْءَ الَّذِي كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ
وَرَسَمَتْ عَلَى ثَغْرِهَا ابْتِسَامَةً امْتِنَانٍ
لِأَنَّهُ هُنَا حِينَ احْتَاجَتْهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَتَلَقَّى وُجَعَهَا
كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تُحَدِّثَهُ وَلَا يَنْتَهِي الْحَدِيثُ
لَكِنْ حِينَ رَأَتْهُ نَسِيَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَلَمَ
كَانَتْ مَا يَزَالُ الْمَرَضُ يَأْخُذُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ
لَكِنَّهَا لَمْ تَهْتَمَّ
كَانَتْ تَهْتَمُّ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ
حَبِيبُهَا
لَا تُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا مَرِيضَةٌ
وَأَنَّ أَيَّامَهَا فِي الدُّنْيَا مَعْدُودَةٌ
لَكِنَّهَا أَقْسَمَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ نَفْسِهَا أَنْ تَبْتَعِدَ
وَأَنْ يَكُونَ السَّبَبُ بَطَلًا آخَرَ
وَبَدَتْ أَنَّهَا لَا تَهْتَمُّ لَهُ
وَهُوَ يَسْكُنُ كُلَّ كِيَانِهَا
يَعِيشُ فِي رُوحِهِ وَيَنْبِضُ بِقَلْبِهَا
أَوْحَتْ لَهُ أَنَّهَا أَحَبَّتْ رَجُلًا غَيْرَهُ
فَاسْتَشَاطَ حَنَقًا مِنْهَا
لَكِنَّهُ تَمَالَكَ أَعْصَابَهُ
فَرْغَمَ كُلِّ مَا قَالَتْهُ لَمْ يُصَدِّقْهَا يَوْمًا
قَالَ لَهَا
إِلَّا أَنْتِ لَا تَبْتَعِدِي
فَحُبُّكِ كَمَا الْهَشِيمِ حَطَّمَ قَلْبِي بِالْبُعْدِ
يَكْفِينِي حُزْنًا
فَقَدْ أَتْعَبَنِي الْفِرَاقُ
وَقَعَتِ الْكَلِمَاتُ عَلَيْهَا أَبْهَجَتْ رُوحَهَا
وَكَأَنَّ الْحَيَاةَ تَبْتَسِمُ لَهَا مِنْ جَدِيدٍ
وَمَا هِيَ إِلَّا دَقَائِقُ
تَرَاجَعَتْ بِحِدَّةٍ لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهَا يَوْمًا
قَالَتْ
ابْتَعِدْ
لَنْ أَكُونَ لَكَ وَلَوْ لَيْلَةً
فَإِنِّي لَسْتُ لَكَ
وَالْقَدَرُ وَضَعَ قَرَارَهُ
أَحْبَبْتُ غَيْرَكَ
وَكَانَ الْغَرَامُ دَارِي
وَقَعَتِ الْكَلِمَاتُ عَلَيْهِ كَأَثَرِ دَلْوٍ مَمْتَلِئٍ بِالثَّلْجِ
وَسُكِبَ فَوْقَ رَأْسِهِ
فَتَجَرَّدَ وَجْهُهُ مِنْ التَّعَابِيرِ وَالْمَعَانِي
أَصْبَحَ ثَابِتًا دُونَ حَرَكَةٍ
يَتَمَعَّنُ بِهَا بِاسْتِيعَابٍ
وَكُلُّ دَقَّةٍ مَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ مَعْدُودَةٌ
وَتَبَدَّلَتْ تَعَابِيرُ وَجْهِهِ
حِينَ أَصْبَحَتْ تُضْحِكُ وَبِالدُّمُوعِ تَبْكِي
وَهِيَ تُجِيبُهُ بِانْزِعَاجٍ
وَحْدَهُ كُلُّ مَا بَيْنَنَا انْتَهَى
وَهَتَفَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ وَعَيْنَاهُ مَمْتَلِئَتَانِ بِالْعَبَرَاتِ
وَهُوَ يُتَابِعُ تَعْبِيرَ وَجْهِهَا
إِلَى أَنْ حَلَّ الصَّمْتُ
وَانْهَارَتْ وَفَقَدَتِ الْوَعْيَ
وَغَابَتْ عَنْ ذَلِكَ الْوَاقِعِ الْأَلِيمِ
وَحِينَ كَانَتْ مُغِيبَةً
كَانَتْ لَا تَنْطِقُ إِلَّا بِاسْمِهِ هُوَ فَقَط
سَكَنَهَا وَمَأْوَاهَا
وَأَتَ فَقْدَانُ وِعْيِهَا
كَمَنْ كَانَ فِي ذُرْوَةِ النَّوْمِ
تَحَدَّثَتْ بِكُلِّ مَا فِي قَلْبِهَا
عَاشَتْ تُحِبُّهُ وَلَا أَحَدًا امْتَلَكَ قَلْبَهَا غَيْرَهُ
وَأَفْشَتْ بِالْمَرَضِ الَّذِي أَلَمَّ بِجَسَدِهَا
وَحِينَهَا فَقَدَ السَّيْطَرَةَ عَلَى نَفْسِهِ
وَأَصْبَحَ كَالْمَجْنُونِ يَهْزِي بِالْكَلِمَاتِ
هِيَ مُغِيبَةٌ وَهُوَ فِي عَالَمٍ آخَرَ
اسْتَعَادَتْ وَعْيَهَا وَنَظَرَتْ
رَأَتْهُ أَمَامَهَا يَبْتَسِمُ لَهَا أَجْمَلَ ابْتِسَامَةٍ
وَيُلْقِي بِنَفْسِهِ إِلَيْهَا بِلَا تَرَاجِعٍ وَلَا اسْتِسْلَامٍ
وَكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَنْطَلِقُ كَالسَّهْمِ فِي صَمِيمِ قَلْبِهَا
لَنْ أَتْرُكََكِ إِلَّا بِحَتْفِي
وَلَنْ أَعِيشَ بِدُونِكِ يَوْمًا
إِنْ أَرَدْتِ الْابْتِعَادَ
فَقَلْبِي لَنْ يَبْتَعِدَ
وَرُوحِي سَتَظَلُّ تُلَازِمُكِ




